فهرس الكتاب

الصفحة 8558 من 27345

وهكذا - أيها الأحبة - ينبغي أن يعلم الدعاة والمصلحون أن أساس القبول إنما هو في هذا المجال الأساسي والركن الركين ، ولذلك إن تحقق المرء بهذا ؛ فإنه قد حاز عنوان الفلاح وشمس الصلاح ، وحاز أيضًا مفتاح النجاح ؛ لأنه تحقق في معنى العبودية لله - عز وجل - .وهي - أي العبودية - جالبة التوفيق ، فإذا الداعية - حينئذ - مسدَّد ، إن عمل أجاد ، وإن حكم أصاب ، وإن تكلّم أفاد ، ومثل هذا هو الذي ذكره سلف الأمة في الصالحين المصلحين الذين تذكرك بالله رؤيتهم .

ولا بد أن ندرك أهمية هذا الأمر ، وأن نعرف ما كان عليه هدى المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في هذا الشأن العظيم ، وليس هذا مجال البسط ، فنحن نعلم من ذلك الكثير الكثير ، وأنتم تعلمون أيضًا ، ولكننا نورد الأمثلة والتي إنما هي للإشارة إلى ما وراءها من غيرها .. فقد كان النبي - عليه الصلاة والسلام - يقوم الليل حتى تتفطر قدماه ، فتقول له عائشه رضي الله عنها: لم تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟! فيقول: أفلا أكون عبدًا شكورًا . ونعلم قول عائشة رضي الله عنه في وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - في العشر الأواخر إذا دخلت شد مئزره ، وأحيا ليله ، وأيقظ أهله . وكان - صلى الله عليه وسلم - أعظم المؤمنين خشية ، وهو القائل: ( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا ) . وهو الذي كان يخرج في ظلمات الليل من المدينه يزور أهل البقيع يودعهم وداع المفارق ، ويدعو لهم ، وكان - صلى الله عليه وسلم - أرفع الناس قدرًا في التعلق بالله ، وترفعًا عن الدنيا ، وقد قال لأبي ذر - رضي الله عنه - متمثلا فيما ينبغي أن يكون عليه ارتباط العبد بالله ، والبعد عن التعلق بالدنيا:"والله ما يسرني أن عندي مثل أحد ذهبًا تمضي عليه ثلاثة أيام وعندي مئة دينار الا شيئا أرصده لدين الا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا". وجويرية بنت الحارث أم المؤمنين - رضي الله عنها - تقول: ما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا ، أي من أعمال الخير . وهذا كله يدلنا على أن القبول ينبغي أن يؤسس على تميز في هذا الجانب الإيماني المهم .

المحطة الثانية: الزاد العلمي والرصيد الثقافي فإن أثر الإيمان في النفس من صلاح وخشية ، لا بد أن يعضده عند التأثير كما قلت الجانب الآخر وهو الحجة والبرهان والدليل والتعليم والإرشاد المبني على العلم بكتاب الله وبسنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولذلك كان النبي - عليه الصلاة والسلام - يشفي علة كل سائل ، ويروي غلة كل ظمآن بما كان عنده إجابة عن التساؤلات وحلول للمشكلات ، وهو عدتك التي تعلم بها الناس وتبين لهم أحكام الشرع وتبحرهم بحقائق الواقع ، وتكتسب به القدرة على الإقناع وتفنيد الشبهات، فإن عند الناس كثيرًا من الأقوال الخاطئة والمفاهيم الخاطئة تحتاج إلى العلم الذي يُدحض بنور القران والسنة ظلمات الجهل والشك الذي يحيط بالناس .

فلذلك وبهذا العلم أيضًا تكون متفننًا في العرض ومبدعًا في التوعية والتعليم ، وهذا العلم رصيد لا بد منه وزاد لا يمكن الإستغناء عنه ، وهو أحد المعالم المهمة التي تكسب الداعية تأثيرًا في الناس ؛ لأن الناس - كما قلت - تمر بهم العوارض فيحتاجون إلى حكم الله عز وجل فيسئلون فيجدون الجواب الشرعي الصحيح الذي يجعلهم يتعلقون بهذا الداعية أكثر ، ويتعلقون بتصوره تعلقًا أكبر وتجعلهم يستفيدون من هذا العلم ويشعرون بحاجتهم إليه فيقبلون بمزيد من الإقبال عليه حتى يستفيدوا وينتفعوا . وصحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بيّن النبي - عليه الصلاة والسلام - تميُّزهم في كثير من العلوم حتى يبين أن هذا التميز له أثره ، فقد خص ابن عباس - رضي الله عنه - بدعوته العظيمة لما قال له النبي - عليه الصلاة والسلام - بعد ان ضمه إلى صدره: ( اللهم علمه الكتاب ) . ونحن نعلم الحديث المشهور: ( من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ) . فالفقه في الدين خيرٌ كله، ومن خيريته أنه يكون له أثره في تعليم الناس وإرشادهم ، وكذلك نعلم من الصحابة علم الحلال والحرام عند معاذ بن جبل ، والقراءة والتلاوة عند أبي بن كعب ، والفرائض والمواريث عند زيد بن ثابت ، والقضاء والحكم عند علي بن أبي طالب ، وغير ذلك مما اشتهر به الصحابه - رضوان الله عليهم - وقد قال القائل في وصفهم:"قد كان أحدهم مثل الإخاذ يرتوي منه الرجل والرجلان ـ يعني مجرى الماء الصغير ـ ومنهم من هو أكثر من ذلك ومنهم كالغدير يقبل عليه القوم ثم يصدرون عنه وهو ما يزال ثرًا يعطى منهم ابن عباس رضي الله عنه". وهذا كما قلت أمر واضح و التمثيل له لا يحتاج إلى مزيد مقال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت