فهرس الكتاب

الصفحة 8559 من 27345

المحطة الثالثة: رجاحة العقل وحسن الأسلوب وهذا من أوسع الأبواب وأهمها رجاحة العقل فلا سذاجة تضيع بها معاني الريادة ، فلا يمكن أن يكون المؤثر ساذجًا ليس عنده ذلك الاتزان والاتصاف برجاحة العقل ولا غضب يشوِّه صورة القدوة ولا طيش ولا خفة تطمس معالم الهيئة ، ولنا أمثلة كثيرة في من سلف من علماء هذه الأمة الذين وضعوا لنا نماذج في مواقفهم من خلال ما كانوا يتصفون به من رجاحة عقل وحسن أسلوب ، وصاحب العقل هو المقدم في الترجيح عند اختلاف الآراء وهو المحلل والمدلل إذا فقد أملاك الناس للتصورات ، وهو الذي يحسن ترتيب الأولويات واختيار الأوقات واستغلال الفرص والمناسبات وحسن التخلص من المشكلات والقدرة على التكيف مع الأزمات.

كل ذلك مفتاحه رجاحة العقل وحسن الأسلوب، ولذلك فهذا أثره في قوة الحجة العقلية والذكاء المتوقد الذي أذكر بعض أمثلته كما ذكر شارح الطحاوية وغيره أيضًا، أن أبا حنيفة - رحمه الله كان يجادل قومًا من الملاحدة فقال لهم: ما تقولون في رجل يقول لكم اني رأيت سفينة مشحونة بالأحمال مملؤة من الأثقال قد احتوتها في لجة البحر أمواج متلاطمة ورياح مختلفة وهي من بينها أي من بين هذه الأمواج تجري مستوية ليس لها ملاح يجري بها ، ولا متعهد يدفعها ، فهل يجوز ذلك في العقل ، قالوا لا يقول بذلك عاقل ، فقال: يا سبحان الله ان لم يجد في العقل سفينة تجري في البحر مستوية من غير متعهِّود ولا مُجري فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها وتغير أعمالها وسعة أطرافها وتباين أكنافها من غير صانع وحافظ ! فبهت القوم ، أي بهذه الإقناع العقلي والحجة البينة .

وقديمًا قال الأعرابي:"البعرة تدل على البعير والأثر يدل المسير فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج أفلا تدل على اللطيف الخبير ؟!". إن الذكاء والفطنة - لا شك - أنه من أعظم ما يلفت النظر ، ويسلب العقول ، ويقنع المستمع بهذا كله ، ثم من رجاحة العقل حسن الأسلوب .

نماذج من الأساليب الحسنة1 ـ أسلوب المقارنة لأن هذا الأسلوب يبين الشيء ونقيضه، فبتدو حسنات المحسن وسيئات المسيء ، وحينئذ يعرف الإنسان ما هو فيه من خطأ ، وما يترتب عليه من آثار وخيمة ، ويعرف ما فاته من خير ، وما فاته فيما يترتب عليه من آثار حسنة ، ولذلك كان هذا من نهج القرآن ، كما في قوله تعإلى: { أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون } . هذا في النور والحياة وذاك في الظلمة والممات ، وكذلك يقول الله جل وعلا: { أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خيٌر أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نا رجهنم } . ولذلك لا بد أن ندرك خيرات الإصلاح ، وأن نعرف ويلات الفساد ، والنبي - عليه الصلاة والسلام - استخدم هذا الأسلوب في المثل الذي بينّه لنا لما قال: ( مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير ) . حتى كما يقول القائل وبضدها تتميز الأشياء ، وقال - عليه الصلاة والسلام - في حديث أبي موسى المتفق عليه: ( مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت ) . ويقول الله - جل وعلا - في محكم كتابه: { من عمل صالحًا من ذكر أو انثى فلنحيينه حياة طيبة } . في مقابل ذلك يقول الله جل وعلا: { ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامه أعمى } . عندما نخاطب الناس بالدعوة إلى الخير علِّمهم أن الخير خيرٌ لهم في دنياهم وخيرٌ لهم في أخراهم ، وإنهم يجدون بذلك طمأنينة القلب وسعادة النفس والبركة في الأوقات والزيادة في الأموال ؛ فإن الله - عز وجل - قد جعل آثار في هذه الحياة الدنيا .. فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا ـ يرسل السماء عليكم مدرارًا * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارًا ) .

ولذلك عندما تدعو الإنسان الذي قد أسرف على نفسه في المعاصي ، وفُتن بأهل الشهوات أو بأهل الكفر ؛ فإنك تدعوه إلى شيء من المقارنة عند مؤمن سكنت نفسه وتعلق قلبه بالله فلا يتشتت ولا يتشكك ، عند مؤمن تعلق قلبه بالآخرة فليس خارجًا في أودية الدنيا يجري وراءها ويلهث كما يلهث الكلب ، عند مؤمن قد عف نفسه وابتعد عن الآثام والشهوات المحرمة فعصمه الله - عز وجل - بإذنه من الأمراض والأدواء والأسقام ، عند مؤمن عف نفسه عن أهوال الناس وعن الأموال المحرمة تبارك الله له في ماله وفي ولده وفي رزقه ، وانظر في المقابل بعد ذلك إلى قوم هو أي هذا المتسمع؟ ربما فتن بهم أو فعل بعض أفعالهم انظر إلى ما عندهم من حيرة أو قلق وإلى ما في مجتمعاتهم من تفسخ وانحلال وإلى ما شاع في بيئاتهم من عدوان وإجرام وإلى ما وقع في نفوسهم من انطماس لمعاني الإنسانية وانهيار معاني الأسرة ، هذه المقارنة - لا شك - أنها أسلوب يدل على رجاحة العقل ويقضي بالمرء أن يفكر في معالي الأمور .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت