فهرس الكتاب

الصفحة 8570 من 27345

.وما من شك في أن الإنسان - في كل أحواله - فقير إلي الله . إنه فقير إلي الله فقرًا مطلقًا في الناحية المادية علي إختلاف أنواعها . (فلينظر الإنسان إلي طعامه، إنا صببنا الماء صبًا، ثم شققنا الأرض شقًا، فأنبتنا فيها حبًا، وعنبًا وقضبًا، وزيتونًا ونخلًا، وحدائق غلبًا، وفاكهةً وأبًا، متعًا لكم ولأنعامكم) (أفرأيتم ما تحرثون، أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون، لو نشاء لجعلناه حطامًا) (أفرأيتم الماء الذي تشربون، أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون، لو نشاء جعلناه أجاجًا فلولا تشكرون) والإنسان فقير إلي الله في هدايته الروحية: وإننا لنردد كل يوم مرات عديدة (إهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين) والذين أنعم الله عليهم هم الذين إتبعوا هديه، وعملوا به وإلتزموه . وهدي الله سبحانه وتعالي يتضمنه القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة . وإذا كان فقر الإنسان إلي الله في الجانب المادي فقرًا مطلقًا فإن فقره إلي الله في الجانب الروحي فقر مطلق أيضًا . وبعد: فيقول صاحب كتاب التحبير: (وإغناء الله عباده علي قسمين) : فمنهم من يغنيه بتنمية أمواله وهم العوام - وهو غني مجازي - ومنهم من يغنيه بتصفية أحواله وهم الخواص - وهو الغني الحقيقي - لأن إحتياج الخلق إلي همة صاحب الحال، أكثر من إحتياجهم إلي لقمة صاحب المال . إن الله يحب التوابين يقول

الرسول صلي الله عليه وسلم: (أنا نبي التوبة) والواقع أن الطريق إلي الحق الذي أرسل الله به رسولة إنما يبدأ بالتوبة الخالصة النصوح . ولقد كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يعيش في جو من التوبة مستمر، ولقد روي عنه أنه كان يقول ما معناه: (يا أيها الناس توبوا إلي الله وإستغفروه، فإني أتوب إليه وزستغفره في اليوم مائة مرة) وما كانت توبة رسول الله صلي الله عليه وسلم عن ذنب، وحاشاه صلي الله عليه وسلم وهو المعصوم . وما كانت توبته صلي الله عيه وسلم عن غفلة، كلا وحاشاه صلوات الله وسلامه عليه، وإنما كانت توبته توبة عبادة، وتوبة عبودية . ومن أجل ذلك كان يكثر منها عبادة وعبودية، وكان يكثر منها ليكون في داخل الإطار الذي رسمه الله سبحانه وتعالي بقوله: (إن الله يحب التوابين) والتوابون: هم الذين يكثرون من التوبة . وللتوبة الصادقة خصائص: أنها أولا تخرج حظ الشيطان من القلب، فيصبح طاهرًا بريئًا من كل دنس، وهذا هو المغزي العميق من وراء الجدل والمماراه في حادث شق الصدر، وما من شك في أن المغزي الذي نأخذه من حادث شق الصدر واستخراج حظ الشيطان منه هو الطهارة الكاملة للصدر . ونشأ رسول الله صلي الله عليه وسلم منذ بواكير حياته مطهرًا نقيًا، وأول خصائص الوبة إذًا إنما هي الطهارة والبراءة التامة . وإذا أخذنا شق الصدر بالنسبة للرسول صلي الله عليه وسلم بمثابة التوبة بالنسبة

لنا فإننا نقول: إن من خصائص التوبة حينما تتكرر في صدق وإخلاص أن تملأ القلب سكينة، لأن الإنسان بالتوبة الصادقة يلقي بنفسه في الرحاب الإلهي فيسكن إلي الله وكفي بالله هاديًا وكفى بالله نصيرًا . إن التوبة - وهي نوع من اللجوء إلي الله، والتضرع إليه، والإنابة - يسلم الأمر إلي الله . وفي التوبة تسليم، وفي التوبة توحيد، وفي التوبة توكل علي الله، فيمتلئ القلب سكينة . وإذا كانت الأحاديث النبوية الشريفة تقول عن شق الصدر في المرة الأولي: (إن الملكين إستخرجا حظ الشيطان من القلب الشريف) فإنها تقول عن شق الصدر في المرة الثانية: (إن الملكين ملآ قلبه الشريف سكينة) وتتكرر التوبة فتصل إلي ما عبرت عنه الأحاديث الشريفة عن شق الصدر الشريف في المرة الثالثة وذلك أن الملكين ملآ القلب الشريف حكمة . وكذلك الأمر في التوبة إذا دامت . . ثم أنها إذا تكررت إنتهت بحب الله للعبد المكثر من التوبة (إن الله يحب التوابين)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت