فهرس الكتاب

الصفحة 8591 من 27345

وإذا كان الفقهاء قديمًا قد حددوا سن البلوغ الشرعي بالنسبة للذكور ( [25] ) ، فذلك لأنه مظنة القدرة على التكسب، وفي ظل الظروف الحالية وتعقد أمور الحياة، وكذلك امتداد سنوات التعليم إلى نهاية المرحلة الجامعية مما لا يترك مجالًا للأفراد في أن يعملوا، بالإضافة إلى أهمية التعليم وضرورته لخطط التنمية في مجتمعاتنا، كل ذلك يدعونا إلى القول باستمرار الرعاية الأسرية للأولاد إلى ما بعد سن التخرج والحصول على المؤهل المناسب للعمل، بل والحصول على العمل ذاته.

أولًا: حق الطفل على الوالدين في الاختيار السليم عند الزواج:

إن حقوق الأطفال ـ كما أشرنا ـ تبدأ من قبل أن يولدوا، ونقصد بها الحقوق المتعلقة بمعايير حسن اختيار الزوجين لبعضهما عند الزواج، فالإسلام كما رغب في الزواج في كثير من نصوص القرآن والسنة ( [26] ) . وحث عليه، ونفّر من العزوبة وشدد النكير على المتصفين بها، فإنه لم يترك الأمر على علاته أو عواهنه، وإنما وضع الضوابط الدقيقة والمعايير السليمة التي تضمن للناس ـ إن هم تمسكوا بها ـ تكوين أسر قوية متماسكة البنيان، تكتسب على مر الأيام صلابة ومنعة تعينها على الصمود أمام تيارات الحياة العاتية، وسنحاول الآن تقديم لمحة عن المعايير السليمة والأسس القويمة التي وضعها الإسلام لاختيار كل من الزوجين للآخر ( [27] ) .

! مقياس اختيار الزوجة:

مما لا شك فيه أن العوامل التي تدعو إلى رغبة الرجل في المرأة، وتغري بالارتباط بها من الكثرة بمكان، فمنها ما يتعلق بالمرأة ذاتها شكلًا ومضمونًا، ومنها ما يتعلق ببيئتها التي نشأت في أحضانها، كأفراد أسرتها وذوي قرباها، ومن يرتادون هذه البيئة كالأصدقاء والخلان. وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه العوامل، وذلك بحسب الغالب الأعم من طباع الناس ورغباتهم، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تنكح المرأة لأربع لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) ( [28] ) ، ولا بأس في أن يحرص راغب الزواج على أن تحظى فتاته بالنصيب الأوفر من تلك الصفات واضعًا نصب عينه أن أهم هذه المعايير هو معيار الدين، وأنه قدر توفيقه لذلك بقدر ما يكون استقراره وسعادة أسرته، عن عبد الله ابن عمر بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنّ الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة) ( [29] ) . وجماع هذه الصفات جاءت موضحة في جواب الرسول صلى الله عليه وسلم ، لمن سأله: أي النساء خير؟ فقال: (خير النساء التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ولا ماله بما يكره) ( [30] ) ، ويروى في هذا أن أبا الأسود الدؤلي"ت 69هـ"امتن على بنيه باختيار أمهم ذات خلق وعفة فقال لهم:"لقد أحسنت إليكم صغارًا وكبارًا، وقبل أن تولدوا، فقالوا: وكيف أحسنت إلينا قبل أن نولد؟ قال: أخذت لكم من الأمهات من لا تسبون بها" ( [31] ) .

! مقياس اختيار الزوج:

وكما طلب الإسلام أوصافًا في الزوجة تعين على دوام العشرة وتوفير السعادة، اشترط في الزوج أن يكون قادرًا على تكليف الزواج مقدرًا تبعاته مهيئًا له، وهذا المعنى هو الذي عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء) ( [32] ) . أي أنه لما كان أغلب الشباب لا يملكون ما يبدأون به حياتهم الزوجية وجّه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الاستعداد لهذه المرحلة بقوله فمن استطاع فليبادر وإلاّ فليضبط نفسه ويقوي عزيمته ويستعين بالصيام على ذلك، ولهذا قال النووي في تفسير (الباءة) :"اختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد أصلهما أن المراد معناها اللغوي، وهو الجماع، فتقديره: من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه ـ وهي مؤن النكاح ـ فليتزوج، ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم ليدفع شهوته ويقطع شر منيه كما يقطعه الوجاء، وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشباب الذين هم مظنة شهوة النساء ولا ينفكون عنها" ( [33] ) . وقد بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم الصفات التي يجب أن تتوفر في الزوج بقوله: (إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فأنكحوه إلاّ تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) قالوا: يا رسول الله.. وإن كان فيه؟ فقال: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ثلاث مرات) ( [34] ) . وقال e لبني بياضة: (أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه) ( [35] ) وكان حجّامًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت