لقد جمع الله عز وجل في هذه الآيات القصار مصارع أقوى الجبارين الذين عرفهم التاريخ، وهم عاد إرم وهي عاد الأولى ، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الأوتاد، لنتحدث اليوم عن قوم عاد ، فقوم عاد كانوا يسكنون في جنوب الجزيرة العربية بالأحقاف، والأحقاف هي الرمال وهي هذه الصحراء الممتدة بين اليمن (حضرموت) وعمان ، وهم من العرب البائدة ، عاشوا ردحًا من الزمن في سعة من العيش، ورغد من الحياة، حباهم الله نعمًا وافرة، وخيرات جليلة ، ففجروا العيون، وزرعوا الأرض وأنشئوا البساتين، وشادوا القصور، وكانت لهم صناعات وتقدم حضاري مادي، ومنحهم فوق ذلك بسطة في أجسامهم، وقوة في أبدانهم ، وآتاهم من الخيرات ما لم يؤتِِِ أحدًا من العالمين. ولكنهم لم يفكروا في مبدأ الخلق ولم يتعرفوا على ربهم الذي أوجدهم وأسبغ عليهم نعمه، وإنما اتخذوا من دون الله أوثانًا وأصنامًا، يتوجهون إليها بالعبادة ويفزعون إليها في الملمات ، ثم إنهم عتوا في الأرض وأفسدوا وطغوا وبغوا، فأذلَّ القوي منهم الضعيف، وبطش الكبير بالصغير، فأراد الله عز وجل أن يرسل إليهم هودًا رسولًا من أنفسهم يدعوهم إلى خالقهم، ويبين لهم سفاهة ما هم فيه من عبادة غير الله، فدعاهم إلى عبادة الله وحده وترك ما سواه من معبودات اتخذوها ، وذكرهم بنعمة الله عليهم، وحذرهم من الترف والطغيان والفساد والتسلط والاستكبار على الآخرين فقال لهم نبيهم. ? وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ? [الشعراء:129-131] ، فنبي الله هود يعيب على قومه السرف والخيلاء في المباني الفخمة التي لم يبنوها من أجل السكن والراحة، وإنما رغبة في المباهاة والتيه .. يظنون أنهم مخلدون في هذه الأرض أبدًا.
وما أكثر الذين يبنون للعبث والرياء والفخر في زماننا من الحكام والأثرياء، ماذا تستفيد الأمة من هذا القصر أو ذاك الذي أنفق في بنائه أموال طائلة ليتمتع بسكناه رجل ثري أو مسئول .. وحوله الملايين من أبناء جنسه لا يجدون ما يأكلون ولا السكن الذي إليه يأوون !!
لقد ذم الله قوم هود لكفرهم وطغيانهم وجبروتهم وفسادهم واغترارهم بقوتهم. فقال سبحانه فيهم: ? وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ? [هود:59] وقال عنهم: ? فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ? [فصلت:15] .
فعاد كما ترون استكبروا في الأرض وغرتهم قوتهم فأعرضوا عن هدىالله وحاربوا رسولهم وكذبوه فأصابهم الله بذنوبهم فأذلهم وأهلكهم ، إنها عبرة وعظة يذكرها الله لنا في كتابه الكريم لنعتبر ونتعظ ، وما كانت تدعيه (عاد) الأولى من القوة والطغيان والجبروت ، تدعيه اليوم دول ركبها الغرور، غرور العلم والمدنية والحضارة المادية، وما وصلت إليه من ثراء وقوة، فأعرضت عن سبيل الحق والخير، واستعبدت الشعوب الصغيرة المغلوبة على أمرها واستغلت ثرواتها وسلكت في السيطرة عليها كل الطرق الدنيئة في سبيل مصالحها الاستعمارية، ولسان حالها يقول: ? مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ?.
إن نبي الله هود أعطى درسًا في الشجاعة والجرأة في مواجهة الجبابرة والطغاة حين لوح له قومه باستخدام القوة وهددوه بها وخوفوه من آلهتهم، فقال في ثقة واستعلاء: ? ... إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ? [هود:54-55] . إنه عليه السلام يقول لقومه في وضوح أنه لا يبالي بكيدهم مجتمعين، ولا يخاف إذا هم على الرغم من أنهم الأقوياء الأكثرون. وسر هذه الجرأة والقوة في موقف هود عليه السلام، أنه متوكل على ربه جل وعلا فهو يقول لهم: ? إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ? [هود:56] .
إن في هذا الموقف وهو موقف كل الأنبياء وأتباعهم دعوة للتحرر من سلطان الجبابرة المتسلطين على الأمم الذين جمعوا بين صفة الجبروت والعناد. وقد بشر الله عباده في القرآن الكريم، أن مآل الجبابرة هو الخسران والهلاك: ? وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ? [إبراهيم:15] .