لقد أهلك الله قوم عاد لكفرهم وطغيانهم واتباعهم أمر كل جبار عنيد ، هلكوا وخرجوا من الدنيا مشيعين باللعنة والخزي والدمار والهلاك، وفي كيفية هلاكهم ووصف عذابهم يقول تعالى: ? كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ? [القمر:18-21] ، وقال سبحانه: ? وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ? [الذاريات:41-42] وقال: ? سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ ? [الحاقة:7-8] ، والريح الصرصر: ذات الصوت الشديد لعتوها وشدتها. وقال عنهم سبحانه: ? فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ? [فصلت:16] ، وقال الله عنهم: ? فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ? [الأحقاف: 24-25] إنها خاتمة مخزية ونهاية أليمة ، ? وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ? [ هُودٍ:59-60] .
الخطبة الثانية:
يتابع الناس باهتمام بالغ الحملة الإعلامية الضخمة التي تستهدف المسلمين في كل مكان، وتصفهم بالنقائص وترميهم بالعيوب، وتجيش قوى العالم لمحاربة المسلمين والتضييق عليهم .. ما سبب هذا الهجوم وما السر وراء ما يجري من استعداد وتهديد ، كان الناس تساءلون عن ذلك فجاء الجواب بجلاء ووضوح من الرئيس الأمريكي الذي قال بأنه يقود حملة صليبية جديدة لمحاربة الإرهاب ، وليس الإرهاب إلا في وجود المسلمين، فلا بد من القضاء عليهم. ولقد حاولت بعض وسائل الإعلام أن تفسر هذا التصريح بتفسيرات ساذجة وتبريرات باردة بغية خداع المسلمين، لكن الحقيقة ظاهرة وواضحة وهي استهداف العالم الإسلامي بدوله وشعوبه، إنها حرب صليبية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى .. ولعلكم تتذكرون الحروب الصليبية التي قادتها أوربا ضد العالم الإسلامي لما يقرب من ثلاثة قرون، اشترك في تلك الحملات رجال الدين النصارى وملوك وأمراء أوربا وساستها وأصحاب الأموال والثراء فيها.
وشارك الكتاب النصارى ومفكروهم في نفث الروح الصليبية في هذه الحملات التي جعلت من الصليب شعارًا لها وقاتلت المسلمين تحت رايته، وما كان للصليبيين أن ينفذوا ويغزوا العالم الإسلامي لولا أن المسلمين هم السبب في ذلك حيث سيطر على حياتهم الترف والأنانية وحب الدنيا وكراهية الموت ، مع التفرق والاختلاف والتنازع على المال والسلطان، وموالاة الأعداء والاستعانة بهم على بعض لقد كان حال المسلمين إبان الحروب الصليبية الأولى أشد ضعفًا وتفككًا وتخاذلًا مما نحن عليه اليوم، ومع كل ذلك فقد كانت الحروب الصليبية عاملًا محركًا للمسلمين، وموقظًا لهم من نومهم حتى يحافظوا على دينهم ووجودهم من اجتياح الأعداء ، لقد ارتكب الصليبيون مجازر رهيبة فحين دخلوا بيت المقدس سنة 493هـ الموافق 1099م ولجأ الناس العزل إلى المسجد الأقصى على اعتبار أنهم مدنيين مسلمين قتلهم النصارى عن بكرة أبيهم وكان عددهم مائة ألف. ولقد قال أحد الشعراء في ذلك الوقت قصيدة يرثي بها الإسلام والمسلمين ويستنهض هممهم:
أحل الكفر بالإسلام ضيمًا يطول عليه للدين النحيبُ
فحق ضائع وحمى مباح وسيف قاطع ودم صبيبُ
وكم من مسلم أمسى سليبًا ومسلمة له حرم سليب
وكم من مسجد جعلوه ديرا على محرابه نصب الصليب
دم الخنزير فيه لهم خلوق وتحريق المصاحف فيه طيب
أمور لو تأملهن طفل لشب في عوارضه المشيب
أتسبى المسلمات بكل ثغر وعيش للمسلمين إذًا يطيب
أما لله والإسلام حق يدافع عنه شبان وشيب
فقل لذوي البصائر حيث كانوا أجيبوا الله ويحكموا أجيبوا
ولقد تبلور موقف المسلمين يومئذ على ما فيهم من ضعف في التركيز على خطتين: