فهرس الكتاب

الصفحة 8766 من 27345

فالحاكم أصبح بحاجة إلى الحماية من شعبه, بدل أن يكون أفراد هذا الشعب هم عونه وحماته . والمحكوم أخذ ينظر إلى حكّامه على أنّهم خونةٌ, وغير أهلٍ للثقة, وليس لهم همّ سوى استغلال الناس وإخضاعهم , ونهب ثرواتهم, ومعاملتهم معاملة العبيد, وما هذا إلاّ نتيجةٌ لما يعانيه أفراد هذا المجتمع من فقدٍ للعزّة .

3 ـ التحديات الخارجية, وتسلّط الأعداء:

فكلما كان المجتمع قويًّا كان أكثر تحصّنًا من الأعداء, وكلّما كان ضعيفًا صار مطمعًا لغيره. لذلك فالمجتمع الإسلاميّ, ومنذ فترةٍ طويلةٍ, يتعرّض لهجماتٍ صليبيةٍ شرسةٍ, هدفها السيطرة عليه, ونهب خيراته, ومازالت هذه الهجمات مستمرّةً, وإن اختلفت أساليبها, وتنوّعت غاياتها فنرى, في بقاعٍ كثيرةٍ من العالم الإسلامي, جروحًا تنزف, ولا نستطيع, بسبب ضعفنا, أن نداويها .

4 ـ التمزّق والتفرّق والخلافات المستفحلة بين الأقطار الإسلامية:

وكما قلنا, فإنّ التفرّق هو نتيجةٌ للضعف, والبلاد الإسلامية بلادٌ ضعيفةٌ, لذلك نراها متفرقةً متشتتةً, والخلافات مستفحلةٌ فيما بينها ومازالت القوى العالمية تغذّي هذه الخلافات, بل وتزرعها إن لم تكن موجودةً أصلًا .

وليس انتشار الطائفية, والإقليمية, والقوميّة, إلا بصنع وتشجيع من هذه القوى الخارجية, الّتي رأت أنّ من مصلحتها بقاء هذه الخلافات, الّتي تستنزف قدرات العالم الإسلامي, وطاقاته, وأمواله, حتّى يبقى تحت السيطرة, ولا يقوى على النهوض .

5 ـ التدهور الخطير في الإقتصاد, وفي مناحي الحياة عامّةً:

وهذا أمرٌ معروفٌ فالدولة الضعيفة ليس لها سيطرةٌ أصلًا على مواردها, حتّى تستطيع تطويرها, واستغلالها الاستغلال الأمثل .وضعف الاقتصاد يعني ضعفًا في كلّ المرافق الأخرى, لذلك نجد أنّ البلاد الإسلامية, ذات الخيرات الكثيرة, هي بلادٌ متخلّفةٌ اقتصاديًّا, وتنمويًّا, وثقافيًّا, وسياسيًّا, وإداريًّا, ومازالت القوى الكبرى تستفيد من خيرات البلاد الإسلامية ومن مواردها البشرية, الّتي تهاجر إلى الغرب لتحصيل لقمة العيش .كلّ ذلك بسبب الضعف, وعدم فعالية الأفراد في المجتمع المسلم, ولعدم غيرتهم, وعدم مقاومتهم للتحديات الخارجية الطامعة فيه.

وللأسف لم يكن"العالم الإسلاميّ, في فترةٍ من فترات التاريخ, أغنى, وأقوى, وأوسع, منه في هذا الزمان ولم يكن أهون, ولا أذلّ, ولا أضعف, وأخفّ في الميزان السياسي الدولي, منه في هذا الزمان".

ثالثًا: أثر فقد العزّة على العالم كلّه:

إنّ تردّي الأخلاق في العالم, وابتعاد الناس عن الدين, وتقديس المادّة, ما هو إلاّ نتيجةٌ لغياب القدوة الصالحة, والّتي كان يمثّلها الإسلام. ومع ابتعاد المسلمين عن دينهم, واتّباعهم للغرب, أصبح العالم يعيش في جاهليّة, بالرغم من تقدّم العلوم, وانتشار الإختراعات, وكأنّ هذا التقدّم, وهذه الإختراعات قد جعلت الإنسان يغترّ بما عنده من العلم,

ويزداد بعدًا عن الدين وعن الخالق . وهكذا, تحوّلت البشرية إلى"جاهلية ماديّة, تجرّدت من كلّ ما خلّفته النبوّة من تعاليم روحيةٍ, وفضائل خلقيةٍ, ومبادئ إنسانيةٍ. وأصبحت لا تؤمن في الحياة الشخصيّة إلاّ باللذّة والمنفعة الماديّة. وفي الحياة السياسية إلاّ بالقوّة والغلبة. وفي الحياة الاجتماعيّة إلاّ بالوطنيّة المعتدية, والقوميّة الغاشمة. وثارت على الطبيعة الإنسانية, والمبادئ الخلقيّة, وشُغلت بالآلات, واستهانت بالغايات, ونسيت مقصد الحياة". وماهذا إلاّ لتخلّي المسلم عن دوره في العالم, لأنّه فقد عزّته, وكرامته وهمّته.

يتبع

الهوامش

ـ سارة حسن منمنة, جغرافية العالم الإسلامي, بيروت, دار بيروت المحروسة, ط2, 1417 / 1997م, 23

ـ المصدر نفسه, 65 .

ـ رواه أبو داود في كتاب الملاحم , باب ( تداعي الأمم على الإسلام ) , رقم الحديث 4297 ؛ ومحمّد ناصر الدين الألباني, صحيح سنن أبو داود, الرياض, مكتبة المعارف , 1419 / 1998, 3, 24 .

ـ جودت سعيد, العمل قدرة وإرا دة , ط2 , 1404/ 1984, 221 .

ـ المصدر نفسه, 222.

ـ ولا ننسى أنّ كثيرًا من المسلمات في البلاد الأوربية و الغربية, وحتّى في بعض البلاد الإسلامية, لا يستطعن الاتزم بالحجاب الشرعي, على أقلّ تقدير, وإذا استطاعت الفتاة المسلمة لبسه في الشارع والأماكن العامّة فهي لا تستطيع الاحتفاظ به عندما تكون موظفة أو طالبة. وكذلك الرجل المسلم يتعرّض لمضايقات كثيرة إذا كان ملتزمًا بدينه .

ـ جميل عبد الله المصري, حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة, الرياض, مكتبة العبيكان, ط3 , 1417/1996, 1 , 173 وما بعد

ـ جودت سعيد, فقدان التوازن الإجتماعي, مطبعة زيد بن ثابت الأنصاري, ط3 , 1404 / 1984, 12 .

ـ جمال الدين الأفغاني ومحمّد عبده, العروة الوثقى, بيروت, دار الكتاب العربي, ط3, 1403 / 1983, 74 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت