وبذلك نرى أنّ الإسلام يريد من المسلم أن يكون عزيزًا كريمًا, لا يخضع ولا يذلّ, بل يريده أن يتحدّى الظروف الّتي تجبره على الذلّة, فالإسلام ثورةٌ دائمةٌ على الذلّ والخنوع, وهو خصيم الهوان والاستكانة, ولا يرضى من المسلم إلاّ أن يكون مرفوع الرأس, لا يخضع لأحد, ولا يذلّ لأحد, فالمسلمون"لا يسمح لهم يقينهم بالله, وبما جاء به محمّد u, أن يقنطوا من رحمة ربّهم في إعادة مجدهم مع كثرة عددهم. ولا يسوّغ لهم إيمانهم أن يرضخوا للذلّ, ويرضوا للضيم, ويتقاعدوا عن إعلاء كلمتهم"
طرق استعادة العزّة الّتي وعد الله بها عباده المؤمنين
تمهيد:
"برغم كلّ ما أُصيب به المسلمون من علّةٍ وضعفٍ فإنّهم هم الأمّة الوحيدة على وجه الأرض, الّتي تعدّ خصيم الأمم الغربيّة وغريمتها ومنافستها في قيادة الأمم, ومزاحمتها في وضع العالم, والّتي يعزم عليها دينها أن تراقب سير العالم وتحاسب الأمم على أخلاقها وأعمالها ونزعاتها, وأن تقودها إلى الفضيلة والتقوى, وإلى السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة وتحول بينها وبين جهنّم ما استطاعت من القوّة, والّتي يحرم عليها دينها ويأبى وضعها وفطرتها أن تتحوّل أمّةً جاهليّةً".
لذلك كان من الواجب عليها, تجاه دينها وربّها أن تحاول استعادة عزّتها ومكانتها بين أمم الأرض, وأن تحاول أن يكون لها التأثير المطلوب في الكون والبشريّة, لتنقل العالم من الظلمات إلى النور, ومن الشرّ إلى الخير, ومن الذلّة إلى العزّة. ولا يمكن لأمّةٍ أن تتبوّء هذه المكانة إلاّ بنهوض أفرادها, وعملهم وكونهم مثالًا يُحتذى أمام الآخرين. لذلك كان لزامًا على المسلمين أن يعملوا بكلّ ما يملكون من وسائل, وإمكاناتٍ, ومعارف, وخبراتٍ, للخروج من حالة الدعة والضعف إلى حالة القوّة والعزّة"فالخروج من حالة التخلّف, بل المهانة والذلّ, لا يمكن لمجرّد التمنّي أو التظاهر وإنما يكون بتغيير الأفعال الّتي أوصلت إلى تلك الحال إلى أفعالٍ مغايرةٍ لها, أفعالٍ تنسجم مع ما أراد الله لهذه الأمّة أن تكون عليه".
طرق استعادة العزّة:
حتّى نعرف هذه الطرق نعود إلى كتاب الله الكريم, الّذي جعله الله تعالى دستور حياتنا, ونورنا الّذي نسير فيه في ظلمات الحياة, فنجد: إنّ الآيات الّتي ورد فيها ذكر العزّة أو الفعل عزّ أو أيّ من اشتقاقات هذا الفعل هي:
1ـ من الآيات الّتي ورد فيها لفظ العزّة قوله تعالى:
"وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالأثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ" (البقرة:206) .
"الّذينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا" (النساء:139) .
"وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" (يونس:65) .
"مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ" (فاطر:10) .
"سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ" (الصافات:180) .
"وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ" (المنافقون:8) .
"قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ" (صّ:82)
"فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ" (الشعراء:44)
"بَلِ الّذينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ" (صّ:2) .
2ـ من الآيات الّتي ورد فيها لفظ العزيز قوله تعالى:
أ ـ لفظ العزيز مقترنًا مع لفظ الحكيم:
"رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (البقرة:129)
"هوَ الّذي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (آل عمران:6)
"شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (آل عمران:18)
"إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (آل عمران:62)
"وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ" (آل عمران:126)
"إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" (المائدة:118)