إنّ الغرض من عرض هذه الصور هو التنبيه إلى خطر الذلّة, والتذكير بما كان عليه المسلمون الأوّلون من عزّةٍ استمدّوها من دينهم, عندما كانت الدنيّا لا تساوي شيئًا في نفوسهم, وعندما كان همّهم هو نشر الإسلام ورفع كلمة لا إله إلاّ الله, ولا شيء غير ذلك .
صور عن الذلّة:
1 ـ ذكر ابن الأثير فيما كان يرويه عن فظائع التتار, والخوف الّذي سيطر على نفوس المسلمين منهم, ودرجة الإنحطاط والضعف الّتي بلغها المسلمون آنذاك, فقال:"لقد بلغني أنّ إنسانًا منهم [ يعني التتار ] أخذ رجلًا, ولم يكن مع التتريّ ما يقتله به, فقال له: ضع رأسك على الأرض ولا تبرح. فوضع رأسه على الأرض, ومضى التتريّ فأحضرسيفًا وقتله به!".
2 ـ وفي قصّةٍ أخرى قال:"حكى لي رجلٌ قال: كنت أنا ومعي سبعة عشر رجلًا في طريقٍ, فجاءنا فارسٌ من التتر وقال لنا حتّى يكتّف بعضنا بعضًا. فشرع أصحابي يفعلون ما أمرهم ."
فقلت لهم: هذا واحدٌ فلم لانقتله ونهرب ؟
فقالوا: نخاف ! .
فقلت: هذا يريد قتلكم الساعة, فنحن نقتله, فلعلّ الله يخلّصنا.
فوالله ما جسر أحدٌ أن يفعل, فأخذت سكيّنًا وقتلته وهربنا فنجونا!"."
فانظر إلى هذا العجز !, وانظر إلى هذه الذلّة ! . لقد بلغ الخوف عند هؤلاء أنّهم سلّموا أنفسهم للموت دون مقاومةٍ ويستغرب من يقرأ هذا الكلام, ويتساءل: على أيّ شيءٍ كان خوفهم ؟! على حياتهم, وهم يقدّمون أنفسهم للموت دون مقاومةٍ؟ ! أم على ماذا؟!. إنّه العجز والخوف الّذي أدّى إليه فقد العزّة, فلو كان عندهم عزّةٌ لما استسلموا, ولما فعل التتار ما فعلوه في بلاد المسلمين.
صور عن العزّة:
في غزوة الخندق عندما اجتمعت الأحزاب على قتال المسلمين, وحُوصر المسلمون في المدينة, وأصبحوا بين فكّي كمّاشةٍ: المشركون من الخارج, واليهود الغادرين من الداخل:"أرسل رسول الله r إلى عيينة بن حصن بن حذيفة, والحارث بن عوف بن أبي حارثة, رئيسيّ غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة , وجرت المراوضة [المساومة] في ذلك, ولم يتمّ الأمر. فذكر رسول الله r لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة, فقالا: يارسول الله, أشيءٌ أمرك الله به فلابدّ لنا منه ؟ أم شيءٌ تحبّه فنصنعه ؟ أم شيءٌ تصنعه لنا ؟"
قال: بل شيءٌ أصنعه لكم, والله ما أصنع ذلك إلاّ أنّي رأيت العرب قد رمتكم عن قوسٍ واحدةٍ.
فقال سعد بن معاذ: يارسول الله, قد كنّا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان, وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرةً إلاّ قِرىً أو بيعًا, فحين أكرمنا الله تعالى بالإسلام وهدانا له, وأعزّنا بك وبه, نعطيهم أموالنا ؟!, والله لا نعطيهم إلاّ السيف. فصوّب رسول الله رأيه"."
فبالرغم من كلّ الضغوط, وبالرغم من قلّة المسلمين وقلّة عددهم, وقلّة سلاحهم وكثرة أعداءهم, رفضوا الاستسلام, ورفضوا أيّ شيءٍ يمسّ كرامتهم وعزّتهم, لأنّهم كانوا يشعرون بالعزّة, لذلك فهم لا يفرّطون بها, واختاروا إمّا النصر أو الشهادة . وهذا هو الفرق بين من يملك العزّة ومن يفقدها, فالأوّل يستهين بالموت في سبيل عزّته حتّى ولو كان لا يملك شيئًا من لوازم الدفاع. أما الآخر فإنّه يخنع ويذلّ، حتّى ولو ملك كلّ ما يحتاج إليه للدفاع عن نفسه.
وهذا ما حصل مع الخليفة المستعصم عندما دخل هولاكو بغداد، فقد سلّم لهولاكو حوضًا مملوءًا بالذّهب، وكان كلّه من سبائك تزن الواحدة مائة مثقالٍ، ويُقال إنّ المغول قد قتلوا في بغداد أكثر من ثمانمائة ألف.
فلو أنّ هذا المال، وهذا العدد من الرجال، قد استخدم في مواجهة المغول لما حصلت المأساة، ولما تجرّأ المغول على الإقتراب من بغداد.
وما أشبه اليوم بالأمس، فالأمّة الإسلاميّة فيها الثروات الكثيرة، والعدد الهائل من السكان، ولكنّهم منهزمون أمام دولةٍ صغيرةٍ، هي إسرائيل . مثلًا, جاء في جريدة المحرر مايلي:"يعتقد محلّلون اقتصاديون إنكليز وأمريكيون، أنّه إذا كان هناك خمسة زعماء عرب فقط، يمتلكون شخصيًّا 92 مليار دولار، وهو مبلغٌ مقاربٌ لما يمتلكه مئات الأثرياء اليهود، الّذين يشكّلون جزءًا من اللوبي الصهيوني الاقتصادي في العالم، فإنّ ما يمتلكه حوالي عشرة آلاف ملياردير ومليونير في العالم العربي المُعتبر (ثالثًا) و (فقيرًا) من أموال البترو- دولار- يمكن أن يضاهي ما يمتلكه يهود العالم في القارات الخمس بما في ذلك إسرائيل وأرضها وممتلكاتها، وما تحلم بامتلاكه والسيطرة عليه من النيل إلى الفرات". فلو أنّ هذا المال، وهذا العدد من الرجال، اُستخدم لتحرير الأرض وطرد الغزاة، لما كان هناك دولةٌ تُسمّى إسرائيل في العالم.