فهرس الكتاب

الصفحة 8779 من 27345

وفي النهاية لا بدّ أن نذكر قصة ربعيّ بن عامر مع رستم قائد الفرس, في معركة القادسية:"أرسل سعدٌ ربعيّ بن عامر، فسار إليهم، فحسبوه على القنطرة، وأُعلم رستم بمجيئه، فأظهر زينته، وجلس على سريرٍ من ذهب، وبسط البسط والنمارق، والوسائد المنسوجة بالذّهب. وأقبل ربعي على فرسه وسيفه في خرقه، ورمحه مشدود بعصبٍ وقد، فلما انتهى إلى البسط, قيل له: انزل، فحمل فرسه عليها ونزل، وربطها بوسادتين شقّهما, وأدخل الحبل فيهما, فلم ينهوه, وأروه التهاون, وعليه درعٌ، وأخذ عباءة بعيره فتدرّعها, وشدّها على وسطه."

فقالوا: ضع سلاحك.

فقال: لم آتكم فأضع سلاحي بأمركم، أنتم دعوتموني .

فأخبروا رستم, فقال: ائذنوا له.

فأقبل يتوكّأ على رمحه، ويقارب خطوه، فلم يدع لهم نمرقًا ولا بساطًا إلا أفسده وهتكه.

فلمّا دنا من رستم، جلس على الأرض، وركز رمحه على البسط. فقيل له: ما حملك على هذا؟.

قال: إنا لا نستحبّ القعود على زينتكم .

فقال له ترجمان رستم: ما جاء بكم ؟ .

قال: الله جاء بنا, وهو بعثنا لنخرج من يشاء من عباده من ضيق الدنيّا إلى سعتها, ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام, فأرسلنا بدينه إلى خلقه, فمن قبله قبلنا منه, ورجعنا عنه, وتركناه وأرضه دوننا, ومن أبى قاتلناه, حتّى نفضي إلى الجنّة أو الظفر"."

هذا هو المسلم العزيز, الّذي لا تغويه زخارف الدنيّا الفانية, فلا يقبل أن يذلّ من أجلها, ولا يضعها في حسابه .

هذا هو المسلم الّذي لا يخشى أحدًا إلاّ الله, ولا يخضع إلاّ لله, فينطلق بعزّته رافع الرأس, شامخ العزيمة, عالي الهمّة, يقاتل في سبيل الله, وينشر رسالة الإسلام إلى كلّ بقاع العالم. فهل نعي الدرس, ونعود إلى عزّتنا وديننا؟ أرجو ذلك.

الخاتمة

قال تعالى:"إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" (الرعد: من الآية11) , فإذا أردنا استعادة عزّتنا يجب علينا تغيير حالنا, ويجب أن يبدأ كلّ إنسانٍ بنفسه, حتّى إذا صلح الفرد صلح المجتمع كلّه. لذلك, ومن خلال البحث السابق, يمكن أن نستخلص النتائج التالية:

1 ـ الإسلام دين العزّة, والمسلم الحقيقيّ هو الّذي يعتزّ بدينه ونفسه, والله لا يحبّ المتهاون المستكين, الّذي لا يستطيع أن يدفع عن نفسه ودينه وقومه. لذلك فقد اهتمّ الإسلام بتربية المسلم على خلق العزّة, حتّى يصبح هذا الخلق من طبيعة ونفس ومميزات المسلم الحقّ.

2 ـ المسلم عندما ابتعد عن دينه ولحق بالدنيّا, وأصبح جمع المال أكبر همّه, وعندما اتبّع هواه, وركض وراء شهواته, ذلّ وخنع, وأخذ يشعر بالعجز والضعف, فتسبّب بضعف المجتمع, فتجرّأت الأمم على المجتمع المسلم، وأصبح تابعًا بعد أن كان متبوعًا، وأصبح مقلِّدًا بعد أن كان مقلًّدًا .

3 ـ إذا أراد المسلم أن يستعيد عزّته، يجب عليه أن يغيّر ما بنفسه من ضعفٍ وخنوعٍ، وأن يهيئ نفسه، ويتسلح بالعلم والحكمة، ويستعيد ثقته بنفسه وبدينه .

ويجب عليه أن يعود إلى منابع دينه ليفهمه، ويتمثّل مبادئه وأخلاقه الساميّة، وينصر الله حتّى ينصره، ويجب أن يحسّ بحاجة العالم إليه، ويؤمن برسالة الإسلام، رسالة الرحمة والعدل لكلّ البشريّة.

4 ـ على المسلمين أن يتوجّهوا إلى أبنائهم، فيربونهم على العزّة، ويغرسوا في نفوسهم الأنفة ورفض الضيم منذ الصغر، ويعلمونهم أنّ كلّ زخارف الدنيا هي فانيةٌ، لا تستحق أن يذلّ الإنسان من أجلها، وما ذلك إلاّ من أجل أن يكبروا وفي أنفسهم رفعة الإسلام، وعزّة الإسلام .

وأخيرًا ندعو الله، أن يوفّق المسلمين إلى ما يحبّ ويرضى، وأن يمكّن لهم دينهم، ويرزقهم العزّ في الدنيا والآخرة .

"رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ" (البقرة:201) .

"رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ" (آل عمران:8) .

تمّت بحمد الله

فهرس المصادر والمراجع

1 ـ ابن الأثير, الكامل في التاريخ, تحقيق عمر عبد السلام تدمري, بيروت, دار الكتاب العربي, 1417/ 1997.

2 ـ أحمد بن حنبل, مسند أحمد, تحقيق عبد الله محمّد درويش, دمشق, دار الفكر, 1411 / 1991م .

3 ـ أحمد الشرباصي, موسوعة أخلاق القرآن, بيروت, دار الرائد العربي, 1971 م .

4 ـ البخاري, صحيح البخاري, تحقيق مصطفى البغا, دمشق, دار العلوم الإنسانيّة, ط2, 1413 / 1993.

5 ـ الترمذي, الجامع الصحيح لسنن الترمذي, تحقيق ابراهيم عطوة عوض, القاهرة .

6 ـ ت . أ. أنسكو وج سكوبلر, علم النفس الإجتماعي التجريبي, ترجمة عبد الحميد صفوت ابراهيم, الرياض, مطابع جامعة الملك سعود, 1413 / 1993 .

7 ـ جمال الدين الأفغاني ومحمّد عبدو, العروة الوثقى, بيروت, دار الكتاب العربي, 1403 / 1983.

8 ـ جميل عبد الله المصري, حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة, مكتبة العبيكان, الرياض, ط3, 1417 /1996 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت