وقبل أن أترك الحديث عن هذه العقوبة أود أن أنبه إلى أمر لا يكاد ينقضي؛ وهو أن بعض الناس يستغربون من قول الناصحين: إن ما أصابنا من الأحداث الأخيرة المؤلمة إنما هو بسبب الذنوب والمعاصي؛ فيعزوا أهل المعاصي ما حدث إلى الأسباب المادية , وهذا منطق الذين لا تتعدى نظرتهم الحياة الدنيا، ومنطق الماديّين الذين يتنكرون لوحي الله عز وجل: ] وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [96] أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ [97] أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ [98] أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [99] أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [100] [ سورة الأعراف , وقال تعالى: ] وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا [16] لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا [17] [ سورة الجن , وقال سبحانه:] وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ [33] وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ [34] وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [35] [ سورة الزخرف .
3-الاختلاف والتناحر: إن من أنكى العقوبات التي تنزل بالمجتمع المهمل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يتحول المجتمع إلى فرق وشيع تتنازعها الأهواء؛ فيقع الاختلاف والتناحر: ]قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ... [65] [ سورة الأنعام .
ولا يحمي المجتمع من التفرق والاختلاف إلا شريعة الله؛ لأنها تجمع الناس وتحكم الأهواء ، وإن مما يدل على ارتباط التفرق والتناحر بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قول الله عز وجل: ]وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [104] [, ثم قال بعد ذلك مباشرة: ] وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ .... [105] [ سورة آل عمران.
والمتأمل في حال عدد من البلاد الإسلامية يجد أن من أهم أسباب تفرق المجتمع فيها أنهم أهملوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , فترتب على ذلك شيوع الفساد , وهذا الفساد يغيظ الصالحين , فيغارون على حرمات الله, فيحاولون تغيير المنكر , فلا يجدون قناة شرعيًا تمكنهم من تغيير المنكر فيضطرون إلى أساليب مندفعة تجعل المجتمع أطرافًا متصارعة متناحرة , ونماذج ذلك في المجتمعات الإسلامية غير قليلة.
فمن ذلك ما نشرته بعض الصحف عن أندونيسيا أن هناك مجموعة من الناس غير معروفة تتصيد المجرمين خفية وتقضي عليهم , ومن ذلك ما يجري من بعض الغيورين في مصر ـ مثلًا ـ من إنكار بعض المنكرات بصورة حماسية ؛ فقد أعلن مثلًا في جامعة أسيوط عن حفل غنائي مختلط ، فقام عدد من الطلاب ضد هذا المنكر ودخلوا مكان الحفلة بالقوة وحطموا آلات الفسق ومنعوا إقامة الحفل في تلك الليلة.
ومن صور التفرق والتمزق التي تحدث في المجتمع بسبب ترك هذه الشريعة أن تتفشى بين الناس منكرات القلوب من الغل والحقد والحسد والبغضاء والتناحر، وما يترتب على اختلاف القلوب من اختلاف التوجهات والآراء والأعمال والأقوال، ثم إن معاصي البيع والشراء من النجش والغش وبيع المعدوم والمجهول وسائر أنواع البيوع المحرمة والمعاملات المنكرة لها من الأثر الكبير في تشتيت القلوب وتدابرها وتباغضها ما لا ينكره ذو عقل , والسكوت على هذه المنكرات هو نوع من الرضى بها وإقرارها.
4-تسليط الأعداء: فإن الله عز وجل قد يبتلي المجتمع التارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأن يسلط عليهم عدوًا خارجيًا , وقد مُني المسلمون في تاريخهم بنماذج من ذلك ؛ لعل منها ما وقع للمسلمين في الأندلس ؛ حيث تحولت عزتهم حتى صار ملوكهم وسادتهم ينادى عليهم في أسواق الرقيق، وهم يبكون وينوحون كما قال الشاعر:
فلو رأيت بكاهم عند بيعهم لهالك الوجد واستهوتك أحزان
وشبيه بذلك ما حدث في فلسطين حتى صارت أخت الأندلس وحتى ذهبت كما قال الشاعر