فهرس الكتاب

الصفحة 9009 من 27345

كما رُوي أنه كان يضطهد أحيانًا أعداء العلم وجفاة الفلسفة وقد عرف التاريخ كثيرًا من أرباب الشهرة الذين قضوا في سجنه الشهور أو السنين لأنهم كانوا يعادون الفلسفة، ظنًا منهم أن منها ما يعدو على الدين فيفسده، ويقول المرحوم الإمام محمد عبده - رحمه الله - في كتابه"الإسلام دين العلم والمدنية مستفهمًا: هل رأيت في غير الإسلام رئيسًا دينيًا يضطهد أعداء العلم وجفاة الفلسفة". ثم يجيب طيب الله ثراه، على هذا السؤال بقوله:"لعلك لا تجده أبدًا".

وفي عهده أيضًا نبغ علماء الفلك فقاسوا طول الدرجة الأرضية وحددوا درجة كالطول 66 ميلًا وثلثين، وهذا التقدير قريب من القياس الصحيح الذي انتهى إليه العلماء .

كما بُنِيَ في عهده عدة مراصد وجهزت بأدوات شتى مثل مقياس الرتفاع والاسطرلاب والمزولة (الساعة الشمسية) .

وفي عهده كذلك نبغ المسلمون في علم الجغرافيا، حيث دخلت عهدًا جديدًا، وحلت كتابات المسلمين فيها محل كتابات اليونان، وأصبحت بعد تصحيحها لأخطاء اليونان الأصل الحقيقي الذي بدأ منه لتقدم الأوروبي فيما بعد."والحق أن القياس المأموني لخط منصف النهار (أي الذي تم في عهد المأمون) كان أصح من القياسين اليونانيين السابقين وأكثرهما ذيوعًا وانتشارًا فيما بعد ."

وفي عهد المأمون رسم سبعون رجلًا من علماء العرب خريطة للأرض بالاستعانة بخريطة"بطليموس"مع الإشارة إلى تصحيحات كثيرة .. وقد صوروا هذه الخريطة العالم بأفلاكه ونجومه وبره وبحره وعامره ومساكن الأمم والمدن إلى غير ذلك وقد رأى المسعودي هذه الخريطة وتكلم عنها .

ويقول الأستاذ"كراتشكوفسكي"أنه لم يبق شيء من هذه الخريطة .. وإن كانت المعلومات التي لديه عنها صحيحة لدرجة تسمح بتكوين فكرة عنها؛ ولكن إعادة تصورها بحذافيرها يكاد يكون أمرًا مستحيلًا إذ لايزال هناك غموض كثير يكتنف طبيعة الأسس التي رسمت عليها .

أما الأستاذ"ليليفيل"فيقرر أنه توجد بقايا منها. ورسم فعلًا تلك الخريطة في أطلسه .. كما يقول أنه إذا قورنت البقايا التي تحت أيدينا من رسم الأرض المأموني، بخريطة"بطليموس"اتضح لنا تصحيحات كثيرة في مجموع الخريطة. فالتحسينات التي أدخلها العرب على وضع الجزيرة العربية والمناطق حول دجلة والفرات هي تصحيحات ذات شأن ، بالإضافة إلى التصحيحات القيمة التي أدخلوها على المناطق الممتدة من قادس في أسبانيا إلى السند في الهند .

وكان المأمون فوق ذلك كله يؤثر العلماء على الوزراء .. فقد قيل إنه كان"لتمامة بن الأشرس"- وكان من أبرز رجالات العلم والأدب - مكانة عند المأمون فوق مكانة الوزراء .. وأراده ليكون وزيرًا بعد قتل"الفضل بن سهل"، فأبى وقال:"إني لم أر أحدًا تعرض للخدمة والوزارة إلا لم يكن لتسلم حاله، ولا تدوم منزلته".

فقبل المأمون ذلك منه وهذا المنحى الذي نحاه المأمون يرجع إلى بصره بأسرار الشريعة وعلمه بدقائق الدين وتفوقه في فهم أنواع الخلاف بين المسلمين وتعمقه في دراسة النفس البشرية .. لذا فإن المأمون في علمه وعرفانه أهل للاحتذاء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت