فهرس الكتاب

الصفحة 9020 من 27345

كالجمر يوضع في الرماد فيخمد

ويقول الآخر:

بقدر الكد تكتسب المعالي

تروم العز ثم تنام ليلا ... ومن طلب العلا سهر الليالي

يغوص البحر من طلب اللآلي

ويقول الآخر مبينا انتفاعه بعلمه:

علمي معي حيثما يممت ينفعني

إن كنت في البيت كان العلم فيه معي ... قلبي وعاء له لا بطن صندوق

أو كنت في السوق كان العلم في السوق

ملحوظات وتنبيهات حول طلب العلم

أولا: لا بد من الشمول والتوازن في طلب العلم، وعدم الانشغال بالفروع عن الأصول، فيأخذ طالب العلم من التفسير، والحديث، والعقيدة، والفقه، والأصول، والسياسة، والاقتصاد، والإعلام، والوعي بواقع الأمة، ويوازن بين استمداده من هذه الفنون، ولا ريب أن المرء لا يستطيع أن يكون متخصصا في كل هذه العلوم، ولكن له أن يتخصص في واحد منها، ثم يكون في الوقت نفسه على صلة وثيقة بالعلوم الأخرى، أما أن يكون متخصصا في علم وجاهلا في العلوم الأخرى، فلسنا إلى هذا الطالب بحاجة (1) .

ثانيا: التورع في الفتوى، والتأني في إطلاقها، فإني أرى طلاب علم يستعجلون في الفتوى، في زماننا هذا، مع أن الأسلاف - رضي الله عنهم - كانوا يتدافعون الفتوى، ويشفقون من الإقدام عليها، فما بال طلاب العلم اليوم يتناهبونها، ولا يأبهون بخطورتها؟!

جاء رجل من العراق إلى مالك بن أنس - رحمه الله - فسأله عن أربعين مسألة، فأفتاه في ثلاث مسائل فقط - في إحدى الروايات - واعتذر عن سبع وثلاثين مسألة، فقال له السائل: نضرب إليك أكباد الإبل، ولا تعرف إلا ثلاث مسائل!! فقال له الإمام: اركب راحلتك، وقل لمن أرسلك: إنني وجدت مالك بن أنس لا يعلم في العلم شيئًا.

وبهذا التواضع والتورع في الفتوى نال الإمام مالك المنزلة الرفيعة، والمكان المرموق بين العلماء.

ثالثا: أُحذر من أنصاف المتعلمين الذين يحسبون أنهم يعلمون، وهم لا يعلمون، بل هم خراب البلاد والعباد.

وأدعو طلاب العلم دعوة صادقة إلى التفقه في الدين، من منابعه الأصيلة الصافية؛ ليكونوا - بإذن الله - علماء عاملين مخلصين، وليكونوا على الثغور، فيحموا الأمة من الضياع، فقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا، ولكن يقبض العلم بموت العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسألوهم، فأفتوهم بغير علم، فضلوا وأضلوا" (2) .

فليستثمر الشباب وجود العلماء بينهم، وليطلبوا العلم على أيديهم؛ ليسدوا مسدهم عند رحيلهم، فتلك سنة الله التي لا تتخلف.

اقتضاء العلم العمل

تبرز الحاجة إلى التفقه في هذا الموضوع من خلال ما يلي:

أولًا: حاجة الأمة إلى العلماء المؤثرين العاملين، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.

ثانيًا: كثرة المتعلمين وقلة العاملين: إن المتعلمين في هذه البلاد وفي غيرها كثيرون- كما تدل على ذلك الإحصائيات- ما بين متخصصين في العلم الشرعي، ومشتغلين بعلوم أخرى، لكن أكثر هؤلاء المتعلمين يعيشون أمية في العمل، كما قال أبو شقرة:"أمية الحرف وأمية الولاء" (3) .

إن هؤلاء المتعلمين جميعًا - على اختلاف تخصصاتهم - يدركون وجوب الالتزام بأمر الله ، ومع ذلك نجد البون شاسعًا بين الإحصائيات الرسمية لأعداد المتعلمين، وما يوحي لنا به الواقع من أمية في الولاء والالتزام والعمل.

ثالثًا: عدم إدراك كثير من المتعلمين لخطورة إهمالهم لأمر الله، ورسوله صلى الله عليه وسلم وتقصيرهم في الالتزام به، وهانحن أولاء اليوم نتجرع غصص هذا التقصير على مستوى الأفراد والمجتمعات.

رابعًا: القصور الواضح في مناهج التعليم، فإن مناهج التعليم في العالم الإسلامي تتحمل مسؤولية عظمى في الفصل بين العلم والعمل، فإنها تخرج لنا قراء مقصرين، ولم تنتج لنا علماء عاملين.

إن مفردات المناهج في جانبها النظري قد تكون جيدة عمومًا، وبخاصة في هذه البلاد، ولكن المأساة تأتي من الجانب التطبيقي العملي فيها، فإنك مثلًا تجد تلك المناهج تعلم الطالب كثيرًا من الأحكام من الواجب، والحلال والحرام، فهو يتعلم أن صلاة الجماعة واجبة، وأن التدخين حرام، وأن الربا حرام، وأن الإسبال وحلق اللحية حرام، ولو أجاب في الامتحان بخلاف هذه الأحكام لكان مخطئًا.

فإذا جاء التطبيق وجدنا كثيرًا من الطلاب لا يصلون مع الجماعة، ويتعاطون التدخين، ويتعاملون مع البنوك الربوية، ويسبلون ثيابهم، ويحلقون لحاهم، ومع ذلك لا يخطئون، ولا يرسبون، وبذلك صارت المؤسسات التعليمية في العالم الإسلامي تخرج حفظة للنصوص فحسب.

(1) - وبخاصة إذا تخصص في علم من علوم الدنيا، أما المتخصص في العلوم الشرعية فلا يلزم أن يتعلم العلوم المادية.

(2) - رواه البخاري في كتاب العلم: 34، ومسلم في كتاب العلم جـ4 برقم 13.

(3) - أي أن الأميين على قسمين: أميون لا يقرءون ولا يكتبون، وأميون لا يطبقون ما تعلموا. انظر مجلة كلية أصول الدين العدد الثالث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت