دخلت جامعة إسلامية في إحدى بلدان المسلمين فهالني ما رأيت؛ رأيت الطلاب يختلطون مع الطالبات، ورأيت طالبات قد بدت عوراتهن، وتخلين عن حيائهن، في تلك الجامعة الإسلامية، التي تحتوي على كليات شرعية، فأي جيل سوف تخرجه للأمة مثل هذه الجامعة؟!
هذا في حين نرى الكليات التجريبية تعتني بالمزج بين النظرية والتطبيق في مناهجها، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
خامسًا: إعجاب كثير من طلاب العلم بألقابهم، ونسيانهم لرسالتهم في أمتهم ومجتمعاتهم: فإن كثيرًا من الطلاب انشغلوا بالبحث عن الألقاب العلمية، مثل: لقب (دكتور) ، ثم لما حصلوا على الألقاب دخلهم الغرور والعجب، فقصروا في تبليغ علمهم بلاغًا مبينًا، فلو أتيت إلى بعضهم، وقلت له: ألا تلقي كلمة في الناس بعد الصلاة في المسجد؟ لقال لك: أنا ألقي كلمة في مسجد!! أنا أكون واعظًا!! أنا الدكتور فلان أنزل إلى هذا المستوى!! وإن لم يبدها لك فقد أسرها في نفسه.
نعم.. هكذا يقول بلسان مقاله، أو بلسان حاله.
ولو دعي لإلقاء محاضرة رسمية، فيها الأبهة والسمعة لاستجاب سريعًا.
أين هؤلاء من حال الصحابة - رضوان الله عليهم - الذين كان الرجل منهم يحفظ بضع آيات، فيرسله الرسول صلى الله عليه وسلم إلى البوادي ليعلم الناس؟! ولقد كان معاذ بن جبل رضي الله عنه عندما أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ليعلمهم؛ كان يحفظ أربعين أو خمسين حديثًا فقط.
وجوب اقتران العلم بالعمل
إن ارتباط العلم بالعمل قضية كبرى، ومسألة جوهرية في حياة العلماء وطلاب العلم، فإن العمل هو المقصود الأعظم من العلم، وبدونه لا قيمة للعلم، ولا فائدة من ورائه.
ومن هنا جاءت نصوص الكتاب والسنة الكثيرة تؤكد وجوب ربط العلم بالعمل، وتحذر من الفصل بينهما، وجاءت الأقوال الكثيرة عن السلف، وأنشد الشعراء ما جادت به قرائحهم حول هذه القضية.
أما الآيات:
فقال الله - تعالى:"غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ" (الفاتحة: من الآية7) قال العلماء: المغضوب عليهم: هم الذين لم يعملوا بعلمهم، والضالون: هم الذين يعملون على جهل وضلال، هذه آية نرددها في كل يوم عدة مرات، فهل فقهناها وأدركنا المقصود منها؟!
وقال - سبحانه - منكرًا على بني إسرائيل:"أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ" (البقرة:44) .
وقال عز وجل:"وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ" (آل عمران:187) .
وقال - جل وعلا:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ" (الصف:2، 3) .
وقال - تعالى:"كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ" (صّ: من الآية29) . قال الحسن: تدبر آياته: اتباعه بعمله.
وقال ابن عباس في قوله - تعالى:"يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ" (البقرة: من الآية121) يتبعونه حق اتباعه.
وقال - عز اسمه - مشنعًا على اليهود:"مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ" (الجمعة: من الآية5) .
هذه بعض الآيات حول الموضوع.
وأما الأحاديث فكثيرة جدا، ومنها: قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه ماذا عمل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟"حديث صحيح الإسناد (1) .
وقال - عليه الصلاة والسلام:"يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتابه، فيقال: أليس كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فقال: كنت آمركم بالمعروف ولا أفعله، وأنهاكم عن المنكر وآتيه"رواه الشيخان (2) .
وعن زيد ابن أرقم؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها"رواه مسلم (3) .
وقال صلى الله عليه وسلم:"مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه مثل الفتيلة التي تضيء للناس وتحرق نفسها"رواه البزار وصححه الألباني (4) .
(1) - الترمذي 2417 وانظر صحيح الترغيب والترهيب 1/126.
(2) - البخاري 3094 ومسلم 2989.
(3) - مسلم 2722.
(4) - انظر صحيح الترغيب والترهيب 1/128.