وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مررت ليلة أسري بي بأقوام تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون"، وفي رواية:"ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون به"رواه ابن أبي الدنيا، وابن حبان، والبيهقي، وصححه الألباني في: (صحيح الترغيب والترهيب) (1) .
هذه طائفة من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم حول موضوعنا، تبين اقتضاء العلم العمل، وتوضح خطورة الفصل بينهما، سواء على مستوى العلماء، أو طلبة العلم، أو كل من تعلم أدنى شيء من العلم.
وأما أقوال السلف فكثيرة جدًا أيضًا في هذا المعنى، فلنقف على قليل منها:
قال أبو هريرة:"مثل علم لا يعمل به كمثل كنز لا ينفق منه في سبيل الله - عز وجل -".
وقال سهل بن عبد الله:"الدنيا جهل وموات إلا العلم، والعلم كله حجة إلا العمل به، والعمل كله هباء إلا الإخلاص، والإخلاص على خطر عظيم حتى تختم به".
وقال عمر بن الخطاب:"لا يغرركم من قرأ القرآن، ولكن انظروا من يعمل به".
وقال حبيب بن عبيد الرحبي:"تعلموا العلم، واعقلوه، وانتفعوا به، ولا تتعلموا لتتجملوا به، فإنه يوشك إن طال بكم العمر أن يتجمل بالعلم كما يتجمل الرجل بثوبه".
وقال أبو قلابة:"إن أحدث الله لك علمًا فأحدث له عبادة، ولا يكن إنما همك أن تحدث به الناس".
وقال الحسن:"همة العلماء الرعاية، وهمة السفهاء الرواية".
وقال الفضل بن عياض:"لا يزال العالم جاهلًا بما علم حتى يعمل به، فإذا عمل به كان عالمًا".
وقال مالك بن دينار:"العالم الذي لا يعمل بعلمه بمنزلة الصفا إذا وقع عليه القطر انزلق عنه"، وقال:"تلقى الرجل ما يلحن حرفًا، وعمله لحن كله".
وقال أيوب:"لا خبيث أخبث من قارئ فاجر"، أي: من متعلم فاجر.
وقال الأوزاعي:"أنبئت أنه كان يقال: ويل للمتفقهين لغير العبادة".
ومن أقوال الشعراء في هذا المعنى:
اعمل بعلمك تغنم أيها الرجل
والعلم زين وتقوى الله زينته ... لا ينفع العلم إن لم يحسن العمل
والمتقون لهم في علمهم شغل
وقال أبو الأسود:
يا أيها الرجل المعلم غيره
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... هلا لنفسك كان ذا التعليم
كيما يصح به وأنت سقيم
فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
عار عليك إذا فعلت عظيم
وكتب عبد الله بن المبارك إلى إسماعيل بن علية لما ولي الصدقات:
يا جاعل العلم له بازيا
احتلت للدنيا ولذاتها
فصرت مجنونا بها بعدما
أين رواياتك فيما مضى
ودرسك العلم بآثاره
تقول: أكرهت فماذا؟ كذا
لا تبتغ الدنيا بدين كما ... يصطاد أموال المساكين
بحيلة تذهب بالدين
كنت دواء للمجانين
عن ابن عون وابن سيرين؟
وتركك أبواب السلاطين
زل حمار العلم في الطين
يفعل ضلال الرهابين
وقال أبو إسماعيل الإلبيري يحث ابنه على العلم والعمل:
وإن أعطيت فيه طول باع
فلا تأمن سؤال الله عنه
وإن ألقاك فهمك في مهاو
لقد صاحبت أعلاما كبارا
ويقبح بالفتى فعل التصابي
ولو وافيت ربك دون ذنب
ولم يظلمك في عمل ولكن ... وقال الناس إنك قد علمتا
بتوبيخ: علمت فهل عملتا؟
فليتك ثم ليتك ما فهمتا
ولم أرك اقتديت بمن صحبتا
وأقبح منه شيخ قد تفتى
ونوقشت الحساب إذن هلكتا
عسير أن تقوم بما حملتا
آفات العلم
ونختم هذه الرسالة ببيان أهم آفات العلم ليكون طالب العلم على حذر منها:
1-المعاصي:
فهي آفة الآفات، وتقضي على العلم كما تأكل النار الحطب، وكم من نظرة محرمة أدت إلى فقد كثير من العلم، أو لقمة من مال مشتبه أو محرم حولت العلم إلى سراب.
شكوت إلى وكيع سوء حفظي
وأخبرني بأن العلم نور ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
ونور الله لا يعطى لعاص
وصدق الله العظيم:"إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" (فاطر: من الآية28) .
2-الكبر والغرور:
من تواضع لله رفعه، وما زاد عبد لله ذلًا إلا زاده الله رفعة، والكبر مهلك لصاحبه، مفن لعلمه، ولا يجتمع الكبر والعلم في قلب رجل، وإن حمل أعلى الشهادات وحفظ من الكتب أثقالًا، وروى البخاري في الأدب، وأحمد في المسند؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"تعلموا العلم، وتعلموا له السكينة والوقار، وتواضعوا لمن تتعلمون منه، ولا تكونوا جبابرة العلماء".
3-المراء والمخاصمة والجدل:
روى الإمام أحمد، وأبو داود، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"المراء في القرآن كفر" (2) .
وقال بعض السلف: إذا أراد الله بعبد خيرًا فتح له باب العمل وأغلق عليه باب الجدل، وإذا أراد الله بعبد شرًا أغلق عليه باب العمل، وفتح له باب الجدل، وقال إبراهيم النخعي:"ما خاصمت قط"، وقال الجزري:"ما خاصم ورع قط".
(1) - صحيح الترغيب والترهيب 1/125،126.
(2) - انظر صحيح الجامع 6563.