فالحذر الحذر من الجهل بعد العلم، والضلالة بعد الهدى، والمجادلة الشرعية هي ما عناها الله بقوله:"وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" (العنكبوت: من الآية46) .
4-كتم العلم:
لا شيء يزيد بالإنفاق كما يزيد العلم، و"من سئل عن علم ثم كتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار"رواه الترمذي، وقال: حديث حسن (1) .
وكتم العلم يؤدي إلى نسيانه وذهابه، والماء إذا لم يجر أسن، وكذا العلم إذا كتم ذهب، وهذا أمر مشاهد محسوس.
5-الانشغال بالدنيا:
من آفات العلم التهافت على الدنيا والانشغال بها عن الآخرة، يقول أحد السلف:"لو كلفني أهلي شراء بصلة ما عرفت مسألة من العلم".
فكيف بمن همه الدنيا، بها يصبح وعليها يمسي، ورحم الله الألبيري حيث يقول:
وما يغنيك تشييد المباني
جعلت المال فوق العلم جهلا
وبينهما بنص الوحي بون ... إذا بالجهل نفسك قد هدمتا
لعمرك في القضية ما عدلتا
ستعلمه إذا طه قرأتا
6-المداهنة في دين الله والسكوت عن الحق وعلى الباطل:
وارتكاب ما يسقط الهيبة ويخرم المروءة لدى العامة، وهذا مما يضر بالعالم ويسيء إليه وإلى علمه، ويعد من آفات العلم المعنوية.
كذلك فإن التعجل بالفتوى يؤثر على سمعة العالم وفتاويه، حتى إنه ولو حسنت حاله بعد ذلك يبقى أثره في أذهان الناس وتصعب إزالته.
7-النسيان:
أعظم آفات العلم، ولذلك امتن الله على رسوله، صلى الله عليه وسلم فقال:"سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى" (الأعلى:6) ، وعلاج النسيان بالمذاكرة وبذل العلم، وترك أسباب ذهابه، كالمعاصي وغيرها.
هذه بعض آفات العلم، فعلى طالب العلم أن يكون على بينة منها حتى لا يجهل بعد الهدى، ويعمى بعد النور.
هذا وأسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يتقبله مني، وأن ينفع به المسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
بعض الأسئلة الواردة في المحاضرة
س1: هل يعني كلامك يا فضيلة الشيخ أن نغفل التخصصات التجريبية، ونتجه إلى التخصصات الشرعية؟
جـ1: أنا لا أدعو إلى ترك التخصصات التجريبية، بل هي من فرض الكفاية الذي تأثم الأمة بتركه، ولكم عانينا المآسي من فقد الأطباء المسلمين الصالحين، وفقد المهندسين وغيرهم، حيث جاءنا أعداؤنا باسم الطب، وباسم الهندسة، وباسم الفيزياء ونحوها، فدخلوا بلاد المسلمين، فأدخلوا تلك العلوم، وأدخلوا معها ضلالهم وفسادهم.
ولكن المطلوب من طالب العلم أن يحيط من العلم الشرعي بفرض العين الذي لا يعذر مسلم بجهله، فإذا تحقق ذلك وجب علينا تحقيق التوازن بين التخصصات، فيكون هناك متخصصون في الشريعة، ومتخصصون في الطب، ومتخصصون في الهندسة، ومتخصصون في الاقتصاد، وفي غير ذلك من العلوم، مع أن على المتخصصين في العلوم التجريبية أن يستثمروا ما يستطيعون من الوقت في الاستزادة من علوم الشريعة.
س2: هل من المعقول أن تكون الصحوة الإسلامية كلها علماء؟
جـ2: وهل من المعقول أن تكون الصحوة كلها ليس فيها علماء! إن المؤكد أنه لا يمكن أصلًا أن تكون الصحوة كلها من العلماء، ولكن المراد أن يحصل الجميع الحد الأدنى من العلم، ثم لا بد بعد ذلك من أن يكون في كل بلد عدد من العلماء يقودون الصحوة ويرشدونها، إذ لا يصح - كما أشرت في أثناء كلامي - أن تكون قيادة الصحوة في أيدي أناس غير متمكنين من العلم الشرعي، فهذا أمر خطير وعواقبه وخيمة.
وإن من العجيب أن تجد الناس يستنكرون أن يعمل أحد في الطب أو يتحدث فيه، وهو لا يحمل مؤهلًا طبيًا، في حين لا يرون بأسًا أن يأخذوا دينهم عن أنصاف المتعلمين أو الجهال.
كما أن من العجيب أن تجد من يتكلم في شؤون الدعوة بكل جرأة وطلاقة، ثم إذا سئل عن أيسر القضايا الفقهية لم يحر جوابًا.
س3: أنا طالب في كلية الشريعة، وأريد أن أكون طالبًا للعلم الشرعي، ولكن لا أجد أنني حريص على العلم، حيث إننا نطلب من الشيخ أن يحذف عنا أغلب المنهج، فما تعليقكم على ذلك؟
جـ3: هذا يرجع إلى قلة الإخلاص، وعدم الإحساس بحاجة الأمة إلى هذا العلم، فالطالب يشعر فقط أنه بحاجة إلى شهادة، فيسعى لنيلها بأي وسيلة، ولو استشعر أن الله سيحاسبه عن ذلك؛ لما طلب من الأستاذ أن يحذف من المنهج شيئًا، بل لقال للأستاذ عندما يحذف جزءًا من المنهج: يا أستاذ هذه خيانة للأمة، ولقال للأستاذ الذي يشرح بدون إعداد ولا تحضير: لماذا لم تحضر يا أستاذ؟!
ولكن الأساتذة وجدوا طلابًا كسالى، فضعفت هممهم و"كما تكونون يول عليكم".
س4: ما جواب الشيخ عمن يقول: إن طلب العلم يعوق عن الدعوة؟
جـ4: لا خير في دعوة بدون علم، وقد قال الإمام البخاري: (باب العلم قبل القول والعمل) ، قال الله - تعالى:"فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ" (محمد: من الآية19) فجاء العلم قبل العمل في هذه الآية.
(1) - سنن الترمذي 2649.