فهرس الكتاب

الصفحة 9026 من 27345

ولا ريب أن أمة الإسلام اليوم في شرق الأرض وغربها؛ تمر بمرحلة بالغة الحساسية والخطورة، هي أحوج ما تكون فيها إلى أهل العلم الراسخين في علومهم، العاملين لدينهم، الناصحين لأمتهم، العالمين بواقع الأمة وما يحيط بها من أخطار. فهؤلاء بهم تسير السفينة ويبلغ المقصود، بل الأمة اليوم بحاجة إلى كل جهد من أبنائها المشفقين البررة، فكيف يسوغ في مثل هذه الظروف الحرجة من تاريخ أمتنا أن يترجل الفارس، وأن ينزوي أهل العلم والخير عن ساحات البيان والنصح ومواقع التأثير والإصلاح! بل الواجب على كل صاحب علم وخير أن يساهم في نصح الأمة بما يستطيع من قول أو رأي أو عمل، وأن يتقدم كل ناصح إلى ميادين الدعوة والبناء بإخلاص وجدٍّ وعلم وبصيرة، فإن نصر الله ـ عز وجل ـ ونصر دينه واجب على أهل الإيمان، قال الله ـ تعالى ـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] . ومن رحمة الله وسعة فضله أن نصر المؤمنين لله ولدينه لا يحده حد ولا يقف عند رسم، بل إن استقامة الواحد منا في نفسه من نصرنا لله تعالى، فينبغي أن لا يحقر أحدنا في هذا السبيل شيئًا، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه البخاري من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالًا يرفعه الله بها درجات» (3) ، فكل جهد في نصر دين الله والذب عن أمة الإسلام نافع مبرور مهما قل في أعين الناس وصغر، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لسعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ لما رأى لنفسه على من دونه فضلًا: «هل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم» (4) ، ورواه النسائي بلفظ: «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها؛ بدعوتهم، وصلاتهم، وإخلاصهم» (5) . وفي لفظ آخر: «ابغوني الضعيف؛ فإنكم إنما تُرزقون وتُنصرون بضعفائكم» (6) .

إن نجاح أهل العلم في الاضطلاع بدورهم وفي إنقاذ الأمة، والخروج بها من حلقات الفتن وسلاسل المحن، والإبحار بها نحو الغايات العظام؛ لا يمكن بلوغه ولا سبيل إلى دركه إلا بأسباب تمخر بها سفينة الأمة عباب هذه الأمواج المتلاطمة، فإن السفينة لا تجري على اليبس. وهذه الأسباب سلسلة من خصال البر؛ من إخلاص العمل لله تعالى، وإصلاحه بمتابعة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتقوى الله ـ تعالى ـ في السر والعلن، والنصح للأمة، والتحلي بأحسن الأخلاق من العلم والحلم واللين والرفق والصبر، وغير ذلك من صفات الخير التي تتحقق بها صفات أئمة المتقين التي ينتظمها قول الله ـ تعالى ـ: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] ، وقوله ـ تعالى ـ: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] .

إن كثيرًا من أهل العلم الذين يحملون همَّ هداية الأمة وإصلاح أوضاعها لا يخفى عليهم ما لهذه الأسباب من الأهمية والأثر؛ إلا أن هناك سببًا رئيسًا غائبًا غفل عنه كثيرون، وهو لا يقل أهمية عن الأسباب المتقدمة لإنجاح دور العلماء المنشود في إنقاذ الأمة من الفتن والمحن، ألا وهو تواصل أهل العلم فيما بينهم وتواصيهم بالبر والتقوى والصبر والمرحمة وتعاونهم في ذلك. إن أهل العلم بحاجة ماسة إلى أن يمدوا بينهم جسور المحبة والألفة والاجتماع والأخوة والمشورة، فإن كثيرًا من الخير وحظًا وافرًا من الإصلاح يتحقق بذلك.

ويتأكد هذا التواصل والتواصي في النوازل الكبار والأزمات الجسام لأمور عديدة؛ أبرزها ما حوته النقاط التالية:

أولًا: أن معالجة ما تمر به الأمة من أخطار، ومواجهة ما يعصف بها من أحداث؛ أمر يفوق جهود الأشخاص ويتجاوز طاقات الأفراد مهما كانت ألمعية عقولهم ورسوخ علومهم، وقد كان سلفنا يقولون في بعض ما يرد عليهم من مسائل العلم: هذه مسألة لو وردت على عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ لجمع لها أهل بدر! فإذا كان هذا هديهم في المسائل الشخصية الفردية، فكيف بالنوازل المصيرية التي يتأثر بها واقع الأمة ويرتسم بها مستقبلها؛ أيسوغ أن يبت فيها فرد أو يستقل بها رأي؟! فليت شعري؛ من الذي تقوى درعه على تلك السهام؟! فلا بد من تضافر الجهود، وتراص الصفوف، ونبذ الاعتداد بالنفس، والاستبداد بالرأي، وتضخيم الذات، اللهم ألهمنا رشدنا وقنا شر أنفسنا.

ثانيًا: أن جزءًا كبيرًا مما أصاب الأمة ويصيبها من الفتن والنكبات؛ إنما هو بسبب ما جرى في الأمة من التنازع والفرقة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهذا التفريق الذي حصل من الأمة علمائها ومشايخها، وأمرائها وكبرائها؛ هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت