ثالثًا: أن مما يؤكد ضرورة أهل العلم إلى وصل ما بينهم في أيام الفتن وتواصيهم بالحق والصبر؛ أن الفتن أعاذنا الله منها تُغيّر القلوب، وتشوش عليها بما تبعثه من الشبهات المانعة من معرفة الحق والحائلة دون قصده، ولهذا وصف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الفتن بأنها كقطع الليل المظلم، كما جاء في حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول -صلى الله عليه وسلم-: «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم» (7) ، ووصفها أيضًا بأنها عمياء صماء، كما في سنن أبي داود (3706) من حديث حذيفة. وإنما وصفت الفتنة بذلك؛ لأن الإنسان يعمى فيها عن أن يرى الحق، وأن يسمع فيها كلمة الحق.
رابعًا: أن واجب النصيحة للأمة يتطلب من أهل العلم ورثة الأنبياء أن يبذلوا وسعهم في دلالة الأمة على خير ما يعلمونه لهم، وأن يحذروهم شر ما يعلمونه لهم، وإنما يبلغ الناصح ذلك بالاجتهاد في تبين الصواب ومشاورة أولي الألباب من إخوانه، فقد أثنى الله على أهل الإيمان بهذا، فقال في سياق الثناء عليهم: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [الشورى: 38] . وما كان أغنى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أن يشاور أحدًا وقد تكفل الله له بالهداية والنصر، ومع ذلك فقد أمره الله ـ تعالى ـ بمشاورة أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ فقال ـ تعالى ـ: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] ، ولقد بادر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الأخذ بذلك حتى قال أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ كما في الترمذي: «ما رأيت أحدًا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» ، فواجب على ورثته أن يتأسوا به. قال بعض البلغاء: من حق العاقل أن يضيف إلى رأيه آراء العقلاء، ويجمع إلى عقله عقول الحكماء، فالرأي الفذ ربما زل، والعقل الفرد ربما ضل.
وقال بشار بن برد:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن *** برأي نصيح أو نصيحة حازمِ
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة *** فإن الخوافي قوة للقوادمِ
ولا طريق إلى تحصيل ذلك مع هذا التقاطع الذي يخيم على علاقة كثير من أهل العلم والفضل، ويعد من أكبر العوائق دونه.
خامسًا: أن كثيرًا من الشر وفساد ذات البين الواقع بين أهل العلم؛ منشؤه ما يكون بينهم من تباعد وتقاطع يورثهم بذور الجفوة التي يسقيها سعاة الباطل ونزغات الشيطان، فالتواصل والتواصي ضمان لتضييق الدائرة على أسباب الفرقة، وهو كفيل بمحو بذور الجفوة، وإشاعة الألفة والمحبة، ومما قيل: المحبة شجرة أصلها الزيارة.
(1) رواه مسلم، رقم (169) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) رواه البخاري، رقم (6767) ، ومسلم، رقم (3545) .
(3) رواه البخاري، رقم (5997) .
(4) رواه البخاري، رقم (2681) .
(5) رواه النسائي، رقم (3127) .
(6) رواه النسائي، رقم (3128) .
(7) رواه مسلم، رقم (169) .
خالد بن عبد الله المصلح