وطلعات العز بن عبد السلام يأتي إلى السلطان يأمره وينهاه، فيرفض السلطان، فيخرج العز بن عبد السلام على حمار، فتخرج الأمة وراءه من القاهرة ويقولون للسلطان: والله لا نبقى في القاهرة ولنخرجن مع العز بن عبد السلام حتى تعيده، فيخرج السلطان وراء العز بن عبد السلام يطلب منه أن يعود ويترجاه، فقال: لا أعود حتى تنفذ الشروط:
منها: أننا متى أردنا أن نبيعكم بعناكم وسلمنا ثمنكم لبيت المال؛ لأنهم موالي قطز ، وقرابته موالي يباعون ويشترون في العهد الأول، وحرج بهم في السوق مرتين، يقول: من يشتري قطز ؛ قطز صاحب عين جالوت ؛ البطل، الشهم، الشجاع، الذي لما حضر المعركة، واحتدت السيوف، وبدأت الرماح تخطف الرءوس أخذ خوذته ووضعها تحت قدمه، وقال: وإسلاماه وإسلاماه وإسلاماه! فسمعته الأمة فثبتت ونصرهم الله، وهو بطل، مع ذلك غضب عليه العز ؛ لأنه أراد أن يتخلف عن الجهاد، فقال: إما أن تجاهد أو أبيعك وأسلم ثمنك لبيت المال، فجاهد.
ويقولون: طرق عليه السلطان يريد ذبحه، فخرج مسرعًا، وقال: اللهم ارزقني الشهادة، ولكن يقول لابنه عبد اللطيف: أبوك أهون على الله من أن يرزقه الشهادة، يقول: ربما كنت مذنبًا فلا يمنحني هذا الشرف العظيم والوسام الرفيع.
ودخل الأوزاعي على عبد الله بن علي عم أبي جعفر المنصور ، وكان سيف ذاك مسلطًا، والسيوف على رأسه، فقال للأوزاعي: ما رأيك في الدماء التي سفكناها؟
قال: حدثنا فلان عن فلان عن فلان عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة } قالالأوزاعي: فرأيت وزراءه -يعني: وزراء عبد الله بن علي - ضموا ثيابهم خوفًا من دمي أن يرش ثيابهم، فثبت.
وسأله عن الأموال؟
قال: إن كانت حلالًا فحساب، وإن كانت حرامًا فعقاب.
قال: اخرج، فخرج وأنجاه الله.
قالوا للأوزاعي: كيف استطعت أن تتحدث؟
قال: والله ما دخلت عليه إلا تصورت عرش الرحمن بارزًا يوم القيامة، فصغر في عيني كأنه الذباب.
ودخل ابن السماك على أبي جعفر فجلس عنده؛ ابن السماك العالم، الداعية، الواعظ، فأتى الذباب يطير على أنف أبي جعفر المنصور الخليفة، فَيُطَيِّر الذباب فيعود على أنفه، فيطيره فيعود على أنفه، قال أبو جعفر يا ابن السماك ! -يريد أن يهينه أمام الناس- لماذا خُلق الذباب؟
يعني: ما هو السر في خلق الله للذباب؟ قال: ليذل به أنوف الطغاة.
والنماذج تستمر، والأمة في حشد هائل تتحرى من أهل العلم أن ينهوا عن المنكر ويأمروا بالمعروف كما أمرهم الله.
على العلماء أن يكونوا علماء عامة
الرابع: أن ينزلوا للناس، ويكونوا علماء عامة، علماء السلف علماء عامة، لا يعرف السلف عالمًا في برجٍ عالٍ، تلقى الإمام أحمد في الطريق، وعلى الرصيف، وفي المسجد، وتطرق بيته فيفتح لك، ويفرش لك الفراش، ويجلس معك، ويقدم لك الماء، العالم مع الأمة في ضمائر وقلوب الأمة يعيش، بخلاف المفكرين العصريين؛ لأنهم أتونا بمسألة قالوا: لا بد من العزلة الشعورية، ولا بد أن تربي نفسك أولًا، ثم تأتي إلى الناس في لقاءات خاصة، على مذهب كانت وديكارت .
لكن علماء السنة علماء عامة، أبو بكر تجده في السوق يبيع ويشتري ويفتي، وعمر وعثمان وعلي وابن تيمية .
ابن تيمية أين وقته؟
دائمًا مع الناس، ينام معهم، ويصحو معهم، ويعلمهم، ويلقنهم، ويفتيهم، ومع العامة، لأنه وجد بعض الناس يدندن بالتهويل من شأن المواعظ للعامة.
وهل الأمة إلا عامة؟!
وهل ثلاثة أرباع الأمة إلا عامة؟!
وهل القاعدة الشعبية إلا عامة؟!
تجلس معهم، تعلمهم الفاتحة، وأمور الدين، ومسلمات العقيدة.
نحن لا نحتاج إلى علم سيبويه في (حتى) يقولون: حضرته الوفاة، قال: أموت وفي نفسي شيء من (حتى) رحم الله سيبويه نفع بالنحو، لكن دقائق المسائل، وهذه الحتحتة، لا نريدها الآن، نريد العلم المؤصل المشهور، أن يعرض على الناس مبسطًا سهلًا، أما في المسألة أربعة عشر قولًا، قال ابن أبي ذئب ، وقال مالك ، وقال ابن تيمية ، وقال الروياني ، وقال الشافعي ، والراجح، فالتفريع لطلبة العلم، لكن الناس يحتاجون إلى علم سهل مبسط، ويحتاجون إلى عالم يجلس معهم، ويقودهم، وإن التقصير الذي نلحظه من بعض العلماء أنهم ما نزلوا إلى الشباب.
فيا أيها العلماء! لا تلوموا الشباب إذا أخطئوا في تصرف، أو هاجوا، أو ماجوا، أو تحمسوا؛ لأنكم أنتم المسئولون في عدم ضبط وتعليم وقيادة الشباب.
ويا أيها العلماء! لا تصفوا الشباب بالتهور، ولا بالتطرف، ولا بالطيش، ولا بالعجلة؛ لأنكم أنتم أو بعضكم الذين لم تجلسوا للشباب في مجالس طويلة تتحدثون إليهم، وتربونهم، وتمسكون من جأشهم، وتربطون على قلوبهم، وتحبسون أعصابهم.
شباب الصحوة لا يقتنعون إلا بعلماء ودعاة، ومهما أتيت إليهم بالدساتير فلا يمكن أن يقفوا؛ لأنهم مقتنعون بآراء.