ربما يتوقع السامع في البداية، أن يكون الناجي أحد الزعيمين، لوجود مظلة، مثلًا، أو ارتدائه شيئا قد يساعد في سلامته، لكن تأتي المفاجأة في اتجاه مغاير، يصور واقع العجز والسلبية تجاه زعيمي أمريكا وبريطانيا، مع علم الجميع بأن ما يفعلانه خطر وشر على البشرية بشكل أو بآخر، ولا يملك سكان هذا العالم، كما يتصوره اليونانيون، إلا أن يحلموا ويتمنوا أن تتحطم بالزعيمين الطائرة ويموتا كي يسلم العالم.
إن هذا النمط من النكات الشعبية يكثر في البلدان التي تستسلم للعجز والسلبية وهو ما فصله كاتب هذه السطور، في مقال سابق بعنوان (النكتة العربية وأحلام اليقظة) ، وهنا نلاحظ كيف أن شعوبًا وحكومات تستسلم وتخنع أمام عدوان دولتين في العالم.
طراطير.. ..وأوغاد !!
تقول إحدى النكات التي انتشرت في الأيام الأولى من العدوان:
إن صحافيًا سأل رئيس الوزراء البريطاني توني بلير عن سر التحالف أو القرابة التي تجمعه بالرئيس الأمريكي جورج بوش ، فأجاب بلير: هم من الأوغاد.. ونحن من الطراطير !!
والعبارتان من قاموس الوزير الصحّاف .. لكن مقصود النكتة أن تبرز علاقة التبعية والذيلية البريطانية للأمريكان ..إنها علاقة بين شريرهو بوش وخادم تابع هو بلير، وصفته النكتة بأنه (طرطور) يتابع (وغدًا) ، وليست علاقة بين ندين !!.
إنه النفط
وعن دوافع الحرب على العراق تحدثت نكتة سويسرية، بالقول:
"إن الخطة لما بعد الحرب جاهزة ، والعراق سيقسم إلى ثلاث مناطق: بنزين عادي ،وبنزين سوبر ، وبنزين خالٍ من الرصاص"!! .
وذلك في إشارة إلى الثروات النفطية التي كانت المسبب الرئيس للعدوان .. وبالتالي فلا صحة لكل الدعاوى والمزاعم التي تتحدث عن تحرير الشعب العراقي، وتجريد العراق من أسلحة الدمار الشامل.
شماتة
وعندما أظهرت الوقائع كثيرًا من أكاذيب ومزاعم"الحلفاء"حول مجريات الحرب، خاصة فيما يتعلق بالخسائر أو عدم السيطرة على المدن العراقية، فقد سخر من ذلك العرب والأوروبيون على حد سواء .. فمثلًا تساءل مقدم برامج في تلفزيون ألماني متهكمًا:
س_ ماذا نسمي الهدف الذي يضعه فريق في مرماه خلال مباراة بكرة القدم ؟!
ج_ نيران صديقة !
لقد أكد الحلفاء بأن من وقع من القتلى والجرحى في صفوفهم، وما سقط من الطائرات وتدمير الآليات، بأنها جاءت بسبب (نيران صديقة) ، وذلك كيلا تؤثر هذه الأخبار سلبًا على جنودهم، ولتطمين شعوبهم أن أولادهم ليسوا في خطر، وكيلا ترفع معنويات العراقيين، وتخفيفًا من وقع الخسارة، على اعتبار أن (ضرب الحبيب زبيب!!) كما يقال.
وهنا تلقفت النكتة هذه العبارة لترد على الحلفاء، قائلة لهم: إنه لا فرق كبيرًا بين من يقتل في المعركة بنيران معادية أو صديقة، فالنتيجة واحدة هي الخسارة ...وذلك كاللاعب الذي يُدخل هدفًا في مرماه!! .
وعلى نفس المنوال قالت نكتة روسية:
إن الرئيس العراقي أعلن إسقاط طائرة بريطانية ، إلا أن بوش نفى ذلك وأكد أن الأمريكيين هم الذين أسقطوها!!.
وهنا كما في النكتة السابقة، فإنه لا يقلل من الخسارة مَن الذي أسقط الطائرة، ولكن المهم أنها أُسقطت، فضلًا عن أن الإصابة بنيران صديقة دليل على الارتباك والاضطراب وسوء التخطيط، وكذلك فإن إسقاط الأمريكيين طائرة بريطانية، ليس عملا بطوليا لهم حتى ينتزعوا هذا الشرف من العراقيين، كما أن إدخال لاعب هدفًا في مرماه لا يشرفه، بل يستحق بسببه التوبيخ، وربما ما هو أكبر.
ونلاحظ هنا كيف أن الغربيين يشمتون بما يصيب الأمريكان والبريطانيين، ويسخرون من تبريراتهم وتفسيراتهم السخيفة، لكنها شماتة العاجز المتمني.
أم قصر ... والورع الأمريكي !!
ومن النكات الفلسطينية القريبة من المعنى السابق تلك التي تسخر من ادعاء الأمريكان، في بداية الحرب، أنهم دخلوا بلدة أم قصر، ثم تبين كذب مزاعمهم، حيث جاءت على شكل سؤال وجواب هكذا:
س: ليش فات الأمريكان على' أم قصر' وبعدين خرجوا ؟؟
جـ: لأنُّو ' أبو قصر' ما كان موجود في البيت!!
وهنا يضحك السامعون، لأن أم قصر بلدة وليست امرأة متزوجة من شخص يُكنّى بأبي قصر، ولأن عدم دخول البيوت في غياب الرجال ليس من تقاليد الأمريكان، وإنما هو سلوك منبثق عن ثقافتنا العربية الإسلامية ... وهناك أسباب أخرى للضحك سنأتي على ذكرها فيما بعد.
النكتة صورة وتشبيه تمثيليّ يتضمن المشبه والمشبه به ووجه الشبه، حيث إن النكتة، في الحقيقة، إنما هي انعكاس لصورة الواقع في النفوس.
الصورة الظاهرية للنكتة تتحدث عن شخص توجه إلى بيت، ولمّا لم يجد الرجل هناك قفل راجعًا..ولكن لماذا ضحكنا ملء أشداقنا، تهكمًا عليه وسخرية منه، والمفروض أنه تصرف بشكل يستدعي الاحترام حين لم يدخل بيتًا في غياب الرجال؟؟ .