فهرس الكتاب

الصفحة 9122 من 27345

ومراعاة هذه المبادئ أمر يفرضه الواقع، ولو أن كل دولة تمردت على تلك المبادئ وخرجت عليها لتحولت الأرض إلى غابة يأكل القوي فيها الضعيف، حيث لا رادع خلقيًا ولا وازع سلطانيًا يمنع الأقوياء من التهام الضعفاء؛ نظرًا لغياب القوة الإسلامية العادلة.

إلا أن هذه القوانين على رغم غياب الشريعة الإسلامية عنها، فإنها لا تخلو من قيم إنسانية عامة ومشتركة يتفق عليها العقلاء، كالعدل النسبي، والوفاء بالعهود، ودفع الظلم، والتعاون على مصالح الحياة.

3)ومن المرتكزات التي تقوم عليها السياسة الشرعية: مراعاة التدرج في تطبيق الشريعة، أو الأنظمة، وفي تحقيق المصالح ودرء المفاسد، لاسيما إذا كان مجال التطبيق عموم مجالات الحياة، ويصدق هذا على المجتمعات التي لم تعهد تطبيق الشريعة الإسلامية من قبل، أو تمارسها في السلوك الفردي فقط دون الحياة العامة.

وأيًا كان صاحب الإرادة، سواءً أكانت دولةً قائمة أو ناشئة، أو حزبًا أو حركة أو غير ذلك.

ويُقصد بالتدرج هنا السعي في تحقيق ما يمكن تحقيقه من المصالح ودرء ما يمكن درؤه من المفاسد، بعيدًا عن المثاليات أو التشنّجات.

وذلك ما يتفق مع فطرة الإنسان وعقله السليم، وهو مقتضى طبيعة الأشياء.

ومما يشهد لهذا الأصل:

أ - أن الشريعة -ممثلة بالوحي الإلهي- تنزلت منجّمة في نحو ثلاثة وعشرين عامًا، هي مدة بقاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منذ نزل عليه الوحي إلى أن اختار الرفيق الأعلى.

ب - أن تطبيق الأحكام ومثلها الأنظمة دفعةً واحدة وبقرار واحد، أو الإصرار على تحقيق جميع المصالح ودرء المفاسد ليس من الحكمة في شيء، بل فيه تعسّف ظاهر.

فمن هو ذلك الحاكم، أو الحكومة أو الحزب الذي باستطاعته أن يصدر قراراته الحاسمة التي تحوّل المجتمع من الكفر إلى الإيمان، ومن الطاعة إلى العصيان، ومن مجتمع كافر إلى مجتمع مؤمن، أو مجتمع غارق في الرذيلة إلى مجتمع فاضل؟!

بل من ذلك المسؤول الذي يستطيع أن يحوّل مؤسسة: تعليمية، أو إعلامية أو اقتصادية مثلًا من مؤسسة علمانية إلى مؤسسة إسلامية بمجرد إصدار قرار؟!

أجل.. إن الأمر يتطلب -لزامًا- تهيئة النفوس وتجفيف منابع الفساد والانحراف، ونشر العلم الشرعي عن طريق الكلمة الطيبة، والتربية الناضجة، والقرارت المتأنية والحكيمة؛ لتكون محلًا للقبول والاستقبال الحسن.

ت - وقاعدة (اتقوا الله ما استطعتم) خير برهان على تلك الدعوى؛ ولهذا جاء في الحديث:"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". ولم يقل: فافعلوه.

وفي الحديث الآخر:"خذوا من العمل ما تطيقون".

ث - يقول أهل الحكمة: (إن ما لا يُدركُ كلُّه لا يُتركُ جُلُّه) ، وهي حكمة صحيحة؛ لأن إدراك الكل غير ممكن في معظم غايات البشر وقدراتهم.

4)وأعتقد أن أهم مرتكز يمكن أن نختتم به المرتكزات هو إخلاص العمل لله رب العالمين لا شريك له، من لدن المسؤولين عن العمل السياسي وتطبيق الشريعة الإلهية، سواء كانوا كبارًا أو صغارًا، أمراء أو وزراء، أو علماء أو دعاةً أو مديرين، فكل يحتاج إلى الآخر، (فإن الخوافي قوة للقوادم) .

وإن الجميع بحاجة شديدة إلى النية الحسنة القائمة على طلب رضا الله سبحانه وتعالى، وإعلاء كلمته، وإظهار دينه وإعزازه، ونصرة أهل الإسلام، وتحقيق العزة لهم، وجلب المصالح العامة لهم، ودرء الفاسد بقدر الإمكان عنهم.

فهذه مقاصد عظيمة ترضي الله تعالى وتستمطر رحماته على هذه الطائفة، بل كل مجتمعها، بل ربما عم خيرها أهل الأرض.

وصدق الله العظيم في قيله: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) [البينة:5] . وصدق رسوله الكريم إذ يقول:"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".

• حماس والعمل السياسي:

حركة المقاومة الإسلامية في فلسطين أحرزت أعظم إنجاز في تاريخها المجيد، وهو الفوز في الانتخابات التشريعية، وقد سُرَّ بهذا الفوز جماهير المسلمين شرقًا وغربًا.

وأما الذين بهتوا بهذا الفوز فهم أنواع:

(1) الغرب الذي لم يتوقع حصول هذه الحركة على هذه الثقة المبكرة من الشعب الفلسطيني.

(2) اليهود، وهو أمر غير مستغرب منهم.

(3) الليبراليون الذين لا يسرهم أن ينال غيرهم خيرًا، قليلًا كان أو كثيرًا، عامًّا كان أو خاصًّا، ومثلهم، أو أولى منهم كل ملحد أو منافق.

(4) بعض الأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين التي ترى أن فوز هذه الحركة ربما سرى أثره إلى دول أخرى؛ فتنقلب إلى أنظمة إسلامية.

(5) بعض أصحاب الاتجاهات الإسلامية التي تعارض دخول الإسلاميين معترك السياسة مطلقًا؛ بدعوى أن ذلك وسيلة إلى طلب الرئاسة الدنيوية، أو التنازل عن بعض التشريعات الإسلامية.

والحقيقة أننا بقدر فرحتنا بهذا الفوز فإننا نشفق على إخواننا في حركة حماس، بل على كل إخواننا من شعب فلسطين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت