وسبب الإشفاق وعورة الطريق المنتظر أمام الحركة، فقد تحملت مسؤولية كبيرة، وأصبحت في مواجهة حقيقية مع الواقع كله، مع شعبها، ومع إسرائيل، ومع دول الجوار، ومع دول الغرب، والعالم أجمع.
فكيف تستطيع التأقلم مع هذا الواقع؟
إن الأمر جلل دون شك، ولكن إحكامه والسيطرة عليه ليسا متعذرين ولا مستحيلين.
ولعل مما يسهل هذه المواجهة عدة أمور:
(أ ) أن عناصر هذه الحركة كانوا ولا زالوا في مواجهة مع الواقع، منذ نشأتها قبل نحو العشرين عامًا، بل قبل ذلك، فإنها لم تنشأ من فراغ، ولكنها ولدت إثر مخاض عسير؛ نظرًا للصراع القديم بين الفلسطينيين واليهود.
(ب ) وهذه العناصر متعلمة ومثقفة ثقافة عالية، تؤهلها للمواجهة، وما خابت أمة جعلت قيادتها بيد حكمائها وعلمائها.
(ت ) لعل في تجارب الآخرين ما يعطي دروسًا وعبرًا لهذه العناصر؛ بحيث تستفيد من أخطائها فتستبعدها، فقد سبق تجارب كثيرة في عدد من البلدان المسلمة، صاحبها بعض الأخطاء والتجاوزات، فحري بالحماسيين أن يدركوا هذه الأخطاء فينأوا عنها.
• حماس وشعرة معاوية:
جاء في حكاية عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما أنه قال: إن بيني وبين الناس شعرة لا أقطعها أبدًا، إن شدها الناس أرخيتها، وإن أرخوها شددتها، وهكذا ينبغي أن يكون ولي أمر المسلمين.
وإن على حركة حماس أن تسلك مسلك معاوية، سواء في معاملتها مع شعبها، أو مع إسرائيل، أو مع الجيران، أو مع دول الغرب.
وذلك باستعمال الدبلوماسية المحنكة التي تسعى إلى تجذير الإيمان في عمق الشعب الفلسطيني، وتجذير دولة فلسطين، وإرساء قواعدها، حتى تكون دولةً حقيقية لها كيانها ومؤسساتها التي تنافس الدول الأخرى.
وتلك خطوة جليلة، ربما تلاها خطوات أخرى نحو العزة والهيمنة، تهيمن على دولة العدو وتقهرها.
وبهذه المناسبة أدعو الحركة إلى الأخذ بهذا اللقب الجميل (حماس) في مفهومه الفصيح، وهو: الشجاعة، والمنع، كما تقول قواميس اللغة.
الشجاعة في مواجهة التحدي، والمنع من الاستعجال في اتخاذ القرارات، واستعجال النتائج.
وأن تستبعد الحركة المفهوم الدارج للكلمة، وهو التحمس القائم على العجلة أو الانفعال وضيق العَطِن.
• حماس ومواجهة الواقع.
إن هذا الواقع الذي كانت تعايشه الحركة بصفتها مظهرًا من مظاهر المجتمع المدني، قد أصبحت تعايشه بصفتها مؤسسة رسمية، وبين الواقعين بعض الاختلاف، الذي يفرض عليها مسؤوليات ومستلزمات أكثر وأكبر.
ويتمثل هذا الواقع في صور عديدة، من أبرزها: العلائق مع الشعب الفلسطيني، بكل أطيافه وتياراته الرسمية والشعبية، ثم العلائق مع إسرائيل، ثم مع دول الجوار، وبقية الدول العربية والإسلامية، ممثلةً بحكوماتها وشعوبها وعلمائها.
ثم مع الغرب.
وكل نوع من هذه الأنواع يستحق الوقوف الطويل والمتأني، مما لا تحتمله هذه المساحة، ولعل في الإشارة ما يغني عن طويل العبارة.
فالعلاقة الداخلية مع الشعب الفلسطيني (حكومةً وشعبًا) يفترض أن يقوم على وحدة الهدف، وهو (إعلاء كلمة الله) ووحدة الصف، يقول الله سبحانه وتعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) (الصف:4) . والخلافات مهما كثرت وتنوعت ينبغي ألاّ تخترق تينكم الوحدتين.
وأما العلائق الخارجية فإنها - على صعوبتها وتعدد مساراتها- مما يمكن التعامل معه بواقعية مدروسة.
وأظن أن أصعب مسار هو ما يتعلق بإسرائيل الغاصبة والمستعمرة.
فهي عدو غاصب بكل الاعتبارات العقلية والقانونية والشرعية، ولكنها في الوقت نفسه أصبحت أمرًا واقعًا لا يمكن تجاهله، بل لا بد من التعامل معه، ولكنه تعامل أشبه بتعامل المريض مع مرض السرطان أو مرض السكري، وأشبه بتعامل المجتمع مع مرض الجدري، بجامع الخطورة والانتشار في كل.
وقد صرح كثير من عناصر حماس بأن الحركة لا يمكن أن تعترف بإسرائيل، وأن التعامل معها إنما يكون بموجب هدنة، وهذه نظرة سليمة لو استطاعت الحركة أن تستمر عليها، وتلتزم بها.
أما الاعتراف فإنه سيضفي الشرعية الدولية عليها، ثم ما يترتب عليه أو يكون ملحقًا به من تطبيع.
وإذا كانت بعض الدول العربية قد انساقت وراء الضغوط الدولية نحو الاعتراف والتطبيع، فإن ذلك لا يسوّغ للشعب الفلسطيني أو حكومته أن تقوم بالدور نفسه، بل للفلسطينيين وضعهم وظروفهم الخاصة، التي تملي عليهم التصرف الأصلح.
ذلك ما يتعلق بالعلاقة مع إسرائيل، أما العلائق الأخرى مع دول الجوار، ومع العالم الإسلامي ومع الغرب، فلا يظهر لي مزيد خصوصية لحكومة فلسطين تختلف عن سائر العلاقات الدولية بين الدول بعضها مع بعض.
نعم ربما تكون العلاقة مع دول الجوار أو مع أمريكا ذات حساسية أو تعقيد، بيد أن كل دولة من دول العالم لا بد أن يكون لها أصدقاء وأعداء، ويكون بينها وبين دولة مجاورة نزاعات وخلافات، وعليها أن تعمل على تسوية المنازعات، وحل الخلافات بالوسائل السلمية.