فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فمنذ كم دخلنا في هذا الدين؟ وما مدى استشعارنا لهذا الأمر؟ سؤال ندع الإجابة عليه إلى أعمالنا وهواجس قلوبنا!
أبو ذر رضي الله عنه: هذا الذي أسلم رابع أربعة، أتى إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذه البداية المبكرة للدعوة، فأمره النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يغادر مكة؛ لأن وجوده وهو غفاري ليس بقرشي يشكل عبأ على الدعوة، والدعوة لا زالت في بدايتها، فليلحق بقومه، فماذا فعل؟ قال: والله لا أخرج من مكة حتى أصرخ بها بين أظهرهم.
? فإذا بأبي ذر الذي لم يحمل من الدين إلا التوحيد، يستشعر أنه يتحمل مسئولية تقديم عمل ما للدين، وليكن هذا العمل تحطيم حاجز الصمت الذي تبنيه قريش سياجًا على دعوة رسول الله، فيصرخ بالتوحيد بين ظهراني قريش، فإذا به يغدو إلى الحرم وقريش في نواديها فيه، فيصرخ وهو الرجل الأيد الشديد الجهوري الصوت:' أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله' فتثور إليه قريش من أنديتها، فتقع عليه، فيثور العباس ويخلصه من قريش . فقام أبو ذر بعد أن رأى الهلكة بعينيه.. فهل قام وهو يقول: الحمد الله الذي أنجاني، أين راحلتي إلى أرض قومي؟ كلا، قال: لا أذهب حتى أصرخ بها غدًا. وفعلا يعود من الغد، ويصرخ بها، ويثورون إليه كما ثاروا بالأمس. ويثور العباس فيخلصه - وكان إذ ذات مشركًا - .
? فهل قال: لقد نجوت هذه المرة، وسألحق بقومي، وقد أديت ما علي، والحمد لله الذي نجاني من القوم الظالمين؟ نعم حمد الله، ولكن بالتزام أن يعود ثالثة. عاد أبو ذر ثالثًا، وليس على يقين أن العباس سيخلصه المرة الأخرى، ولكنه على يقين أنه بعمله ذلك يقدم عملًا إيجابيًا للدعوة، ولتنشق آذان قريش بالدعوة التي تحاصرها بالصمت، وليعرف الناس سماع الشهادة، ونداء التوحيد، والخبر برسالة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فإذا به ينادي ثالثًا، فيثورون إليه، ويقعون به، فيخلصه العباس.
فيمم شطر قومه غفار، فماذا فعل عندهم؟ لقد بدأ بأسرته، وقرابته، فدعا أمه، ودعا أخاه، ثم هب إلى قبيلته يدعوها؛ فأسلم نصفها.
أما النصف الأخر فقالوا: أليس صاحبك- يعني رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وعدك أنه إذا ظهر تلحق به؟ قال نعم.
قالوا: نحن إذا ظهر؛ آمنا ولحقنا به، أما الآن فننتظر.
فلما ظهر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ آمنت غفار كلها، فقالت بنو عمها قبيلة أسلم: ليس بنا عما رغب به بنو عمنا غنى، فأسلموا أيضًا. فَقَالَ النَّبِيًّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:'غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ' رواه البخاري ومسلم والترمذي والدارمي وأحمد.
? هذا الإنجاز تحقق على يد رجل اعتقد ربع العالم الإسلامي في وقته، ولم يحمل من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا التوحيد، ولكن حمل مع التوحيد الاستشعار للمسئولية تجاه هذه الرسالة، وتجاه هذه العقيدة، وأن دخوله لهذا الدين يستوجب العمل له.
ثانيًا: العمل للدين وظيفة العمر: العمل للدين ليس مؤقتًا ولا محددًا بزمان ولا مكان، وإنما هو وظيفة العمر كلها.
واستشرف هذا المعنى من سير أنبياء الله، ورسله، والتابعين لهم بإحسان:
هذا نوح عليه السلام: يصف برنامجه في الدعوة إلى الله يقول: إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا [5] {ثم يقول:} ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا [9] 'سورة نوح'. ماذا بقي من حياة نبي الله نوح؟ الليل والنهار، العلن والإسرار، كل ذلك سخر للدعوة، ألف سنة إلا خمسين عامًا.. الحياة كلها دعوة !
وهذا يوسف عليه السلام: القي به في غيابة الجب، ثم في غيابة السجن. أدخل السجن يرسف في قيوده، يعاني لوعة الغربة، وألم البعاد، وقهر الظلم، يعاني كل هذه الآلام، ولكن مع هذا كله لا ينسى دعوته، فإذا به يحول السجن إلى مدرسة للتوحيد، مدرسة للدعوة. يتبين لنا فيها براعة الداعية، وحسن تأتيه، فإذا به يستقبل سؤال صاحبيه في السجن حينما يسألانه: إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [36] 'سورة يوسف' .
فيتأتى أحسن التأتي في بيان دعوته:
? أولًا: يكرس حسن ظنهما به، فيقول: قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا [37] 'سورة يوسف'.
? ثم يستغل تشوقهما للجواب على السؤال الذي طرحاه، فلا يجيب على السؤال مباشرة، ولكن يطرح القضية الضخمة التي تعيش في وجدانه، وهي رسالة الله، وعقيدة التوحيد، فيقول: يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ [39]