فهرس الكتاب

الصفحة 9133 من 27345

?ثم يندد بعقيدتهما وعبادتهما فيقول: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [40]

? ثم يجيب بعد ذلك على السؤال: أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ [41] 'سورة يوسف'.

? قضي بعد ماذا ؟ بعد أن ألقى عليهم محاضرة، مملوءة بالأدلة والبراهين، والتثبيت في التوحيد.. سبحان الله! نبي في هذه المعاناة، وعقيدته والدعوة التي يحملها حية لا تخبو ولا تلين.

بل إن أنبياء الله، ورسله، السائرون على أثرهم لا ينسون دعوتهم في أحرج اللحظات وأشد الساعات.. ساعة الموت:

هذا نبي الله يعقوب عليه السلام يصف الله لنا مشهد وفاته: حاله وهو يموت؟ ماذا قال؟ ماذا أنفذ وهو يودع الدنيا؟

ثم انظر إلى حالِ نبينا وقدوتنا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الذي قضى ثلاثًا وعشرين سنةً في جهدٍ وجهاد وصبرٍ ومصابرةٍ.

وبعد أن أعذر إلى الأمة فأبلغها دينها، وأدى إليها الأمانة، تهيأ للحاق بالرفيق الأعلى، فإذا به في آخرِ عُمرِه يصاب بالحمى التي تستعر في بدنه خمسة أيام حتى إن حرارة بدنه يحس بها من يضع يده على الأغطية، ولكن هم الدينِ، وهم الدعوة، والعمل لا ينهزم في البدن الذي انهزمت فيه العافية.. إذا به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ينفقُ آخرَ الأنفاسِ واللحظاتِ، نصحًا للأمة، نزل به الموت فاشتد به الكرب [ فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ ] رواه البخاري .

لكنَ هذه السكراتِ لم تلهِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن دعوته، ولا أمته، فإذا به في هذه السكرات ينفذ النداء للأمةِ نداءً يخترقُ حُجبَ التاريخِ، وترويه الدنيا في آخر لحظاتِ عمره، حتى أسمعنا: [ الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ اتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ] رواه أبوداود وابن ماجة وأحمد. حتى حشرجَ بها صدرُه، وغرغر بها حلقُه، واحتبسَت بها نفسه.. إنه هم العمل لدين في أقسى اللحظات، وآخر أنفاس الحياة.. هذا شأن أنبياء الله ورسله.. وهم المخاطبون أصالة بهذا الأمر.

وفقهه منهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان: وفتش حياة أي صحابي لا تجد يومًا منها مهدرًا ليس فيها عمل للدين.

وخذ مثالًا على ذلك:

جعفر بن أبي طالب ابن عم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قضي نحوًا من إحدى عشرة سنةً في المنفى، في دار البغضاء، البعداء في الحبشة. لم يأخذ أثناءها أجازة عرضية ولا مرضية ولا اضطرارية، إحدى عشرة سنةً متواصلةً يعاني ألم الغربة، كلُ ذلك في ذات الله حتى إذا حانت الفرصةُ؛ عاد في السنة التي فتح فيها النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيبر، وما يدريك ما فتح خيبر؟

ففرح النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقدوم جعفر فرحًا شديدًا، ولكن بما كافأ النبيُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا القادَمَ المولعَ بالغربة والبعاد، الذي أعطى للدين عشر سنواتً من الغربة لوعة وأسى.. بما كافأه؟ هل أصدر مرسومًا بتعيينه أميرًا على البلدة الفلانية؟

هل اصدر أوامره بأن يمنح جعفر أجازة لبقية العمر، فقد قدم ما عليه، وأدى للدين ما يكفي؟ كلا، كلا! كافأه مكافأة من نوع آخر، ما هي؟ كافأه بأن أتاح له الفرصة مرة أخرى ليعمل للدين ويقدم للدين.. هذه المكافأة التي يحسنها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويبتهج بها أصحابه، فإذا به يعين في منصب النائب الأول للقائد الأعلى للقوات المسلحة المتوجهة إلى مؤتة. ويذهب حفيًا بهذا المنصب، فرحًا بفرصة المشاركة للعمل للدين، فحياته كلها أوقفت لله.. ليس فيها يوم يسمى إجازة من العمل للإسلام.

ويحدث له هناك العجب! يقتل القائد الأعلى زيد بن حارثة، فتتحول المسئولية إليه، فينزل عن فرسه، فيعقرها، فكان أول عقر في الإسلام، ثم يتقدم والراية في يمناه، ينشد نشيد الداخل في الجنة:

يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها

والروم روم قد دنى عذابها علي إن لاقيتها ضرابها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت