استحب عدد من أهل العلم اعتماد الخطيب على قوس أو عصا وقت الخطبة .
قال الشافعي:"وأحبّ لكل من خطب أيّ خطبة كانت أن يعتمد على شيء، وإن ترك الاعتماد، أحببت أن يسكّن يديه وجميع بدنه، ولا يعبث بيديه" ( [12] ) .
فعن البراء أنّ النبي صلى الله عليه وسلم نُووِل يوم العيد قوسًا فخطب عليه ( [13] ) .
قال الشوكاني:"الحديث فيه مشروعية الاعتماد على سيف أو عصا حال الخطبة، قيل: والحكمة في ذلك الاشتغال عن العبث، وقيل: إنه أربط للجأش" ( [14] ) .
وعن الحكم بن حزن الكلفي:"شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام متوكئًا على عصا، أو قوس، فحمد لله وأثنى عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات" ( [15] ) .
والله أعلم .
افتتاح الخطبة بالتكبير:
استحبّ عامة الفقهاء افتتاح الخطبة بتكبيرات زوائد؛ تسع تكبيرات في الأولى، وسبع تكبيرات في الثانية .
واستدلوا على ذلك بما يلي:
1-عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: (السنة في التكبير يوم الأضحى والفطر على المنبر قبل الخطبة؛ أن يبتدئ الإمام قبل أن يخطب وهو قائم على المنبر بتسع تكبيرات تترى لا يفصل بينها بكلام، ثم يخطب، ثم يجلس جلسة، ثم يقوم في الخطبة الثانية فيفتتحها بسبع تكبيرات تترى لا يفصل بينها بكلام ثم يخطب) ( [16] ) .
2-وما يروى عن إسماعيل بن أمية أنه سمع أنّ التكبير في الأولى من الخطبتين تسع، وفي الآخرة سبع ( [17] ) .
3-وما يروى عن عمر بن عبد العزيز أنه فعله ( [18] ) .
والذي يُجزم به في هذا الباب أنّه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من صحابته أنّه كبّر قبل خطبة العيد .
قال ابن المنذر:"ليس في عدد التكبير على المنبر سنة يجب أن تستعمل، فما كبّر الإمام فهو يجزي، ولو ترك التكبير وخطب لم يكن عليه في ذلك شيء" ( [19] ) .
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية إلى أنّ السنة في افتتاح خطبة العيدين = الافتتاح بالحمد لله؛ لأنه لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنّه افتتح بغيرها .
قال ابن تيمية:"لم ينقل أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه افتتح خطبة بغير الحمد، لا خطبة عيد ولا استسقاء ولا غير ذلك" ( [20] ) .
وإليه ذهب الشوكاني ( [21] ) .
وما ذهب إليه شيخ الإسلام هو الذي يترجح الأخذ به، ومن بدأ بالتكبير لا ينكر عليه، لأنّه اجتهاد جمعٍ من أهل العلم، ولو جمع بين الحمد والتكبير لكان حسنًا، قال في الشرح الممتع:"وقال بعض العلماء: إنّه يبتدئ بالحمد كسائر الخطب، وكما هي العادة في خطب النبي صلى الله عليه وسلم أنّه يحمد الله ويثني عليه، وعلى هذا فيقول: الحمد لله كثيرًا، والله أكبر كبيرًا، فيجمع بين التكبير والحمد" ( [22] ) .
والله تعالى أعلم .
* مراجع المسألة:
حاشية ابن عابدين (2/175) ، الأم (1/211) ، المجموع (5/22) ، فتح العزيز (5/51، 55) ، نهاية المحتاج (2/392) ، روضة (2/73) ، شرح الزركشي (2/288) ، المقنع (5/351) ، الشرح الكبير (5/351) ، الإنصاف (5/351) .
موضوع خطبة العيد:
استحبّ كثير من الفقهاء أن يتحدث الخطيب في عيد الفطر عن أحكام زكاة الفطر، وفي عيد الأضحى عن أحكام الأضحية .
قال محمد بن سليمان الحنفي:"يعلم الناس أحكام الفطرة، لأنّها شرعت لأجلها" ( [23] ) .
قال الرافعيّ:"ويستحب أن يعلمهم في عيد الفطر أحكام صدقة الفطر، وفي عيد الأضحى أحكام الأضحية" ( [24] ) .
قال العمرانِي:"ويستحب أن يعلمهم في خطبة الفطر صدقة الفطر، ووقت وجوبها، وأنّ السنة أن يخرجها قبل الصلاة، ولا يجوز تأخيرها عن يوم الفطر، ويبيّن قدرها وجنسها" ( [25] ) .
قال الشافعي الصغير:"ويعلمهم استحبابًا في كل عيد أحكامه" ( [26] ) .
قال الزركشي:"يذكر في كل خطبة ما يليق بها، ففي عيد الفطر يرغبهم في الصدقة، ويبين لهم حكمها، وما اشتملت عليه من الثواب، وقدر المخرج، وجنسه، وعلى من تجب، ونحو ذلك، وفي الأضحى يرغبهم في الأضحية، ويبيّن لهم حكمها، والمجزئ فيها، ووقت ذبحها، ونحو ذلك" ( [27] ) .
والذي يظهر أنّ ذلك مستحب في عيد الأضحى؛ لكون المسلمين في حاجة لمعرفة أحكامها، لأنّ وقت ذبح الأضحية بعد الصلاة .
ولا يستحبّ ذلك في عيد الفطر؛ لأنّ وقت إخراج الزكاة قد فات، فلا ينتفعون بإخراجها إلا قبل الصلاة، أما بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أدّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات ( [28] ) .
ولهذا ذهب ابن عابدين في حاشيته أنّه يعلمهم في الجمعة التي قبل صلاة العيد ( [29] ) .
وقال ابن عثيمين:"ولهذا ينبغي أن يبين هذا في خطبة آخر جمعة من رمضان، فهذا هو الوقت المناسب، أما في صلاة العيد فهو غير مناسب" ( [30] ) .