فهرس الكتاب

الصفحة 9405 من 27345

ففيها تتفاوت مراتب العباد , وبحسب اجتهادهم كانت منازلهم عند الله تعالى , فالوضوء بالماء البارد في شدة الحر عبودية , والوضوء بالماء البارد في شدة البرد عبودية , ومباشرة الزوجة الحسناء التي يحبها عبودية , والنفقة عليها وعلى عياله ونفسه عبودية , وتركه المعصية التي اشتدت دواعي نفسه إليها من غير خوف من الناس عبودية , ونفقته في الضراء عبودية ؛ ولكن فرق عظيم بين العبوديتين , فمن كان عبدا لله في الحالتين قائما بحقه في المكروه والمحبوب ؛ فذلك الذي حقق العبودية كما يحب الله ويرضى , فإنهم في حفظه وتحت كنفه ورعايته سبحانه .

فلن يسير العبد إلى الله إلا بالعبادة ولن يهنأ بسعادة الدارين إلا بالعبادة , ولذلك كان التوحيد الذي خاطب الله به الأنبياءُ جميعا أقوامهم هو: توحيد العبادة - توحيد القصد والطلب - وهو اتجاه العبد بقلبه وأقواله وأفعاله لله سبحانه وتعالى , فالحركات والسكنات والنَّفَسُ والآهات , واللحظات والخطرات , لا بد أن تكون لله , بل يجب عليك أن تجعل فيك كل ذرة لله سبحانه وتعالى , فلن تقيم العبادة كاملة إلا إذا عبَّدت فيك كل جارحة وخشَّعت فيك كل خلية .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه: [ اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي ] . ( 1)

فلله على العبد في كل عضو من أعضائه أمر , وله عليه فيه نهي , وله فيه نعمة به , وله منفعة ولذة , فإن قام لله في ذلك العضو بأمره واجتنب فيه نهيه ؛ فقد أدى شكر نعمته عليه فيه , وسعى في تكميل انتفاعه ولذته به , وإن عطل أمر الله ونهيه فيه ؛ عطله الله من انتفاعه بذلك العضو وجعله من أكبر أسباب ألمه ومضرته .

وله عليه في كل وقت من أوقاته عبودية تقدمه إليه , وتقربه منه , فإن شغل وقته بعبودية الوقت تقدم إلى ربه , وإن شغله بهوى روحه وبطالة بلا عمل ؛ تأخر عن سيره إلى الله , فالعبد لا يزال في تقدم أو تأخر , و لا وقوف في الطريق أبدا , قال تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37) } [ سورة المدثر: 37 ] .

فسر الخلق ومبدأه ومنتهاه يعود إلى العبادة ؛ تأمل قول الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56) } [سورة الذاريات: 56 ] .

فالسبب والعلة من خلق الجن والإنس هي إفراد الله بالعبادة .

دعوة الأنبياء واحدة:

ولذلك نرى أن جميع الأنبياء جاءوا بدعوةٍ واحدة ؛ توحيد العبادة لله سبحانه وتعالى , كما صحَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ . (2 )

أي أنهم اشتركوا في الأصول واختلفوا في الفروع .

فجميع الأنبياء دعوا قومهم بدعوة توحيد العبادة بلا استثناء .

كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) } [سورة الأنبياء: 25 ] .

وكما قال تعالى: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } [سورة النحل: 36 ] .

و نرى هذا واضحا في خطاب كلِّ نبي , فهذا نوح عليه السلام كما قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) } [ سورة الأعراف: 59 ] .

وكما قال تعالى على لسان هود: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (65) } [ سورة الأعراف: 65 ] .

وكما قال تعالى على لسان صالح: { وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } [ سورة الأعراف: 73 ] .

وكما قال تعالى على لسان صالح: { وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } [ سورة الأعراف: 85 ] .

وكذلك إبراهيم عليه السلام: { وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17) } [ سورة العنكبوت: 16- 17 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت