فهرس الكتاب

الصفحة 9415 من 27345

ولعل هذا هو ما يبيته القدر للإسلام مرة أخرى أن يرث الحضارة المعاصرة ليعطيها ما قد فقدته: هدف الإيمان ، أن تكون الحضارة لله . يقول الله تعالى: { إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده . } 128 الأعراف . ويقول تعالى { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادى الصالحون . } 105 الأنبياء . ويقول تعالى { وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التى باركنا فيها } 137 الأعراف ويقول تعالى { وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضًا لم تطؤوها } 27 الأحزاب . ويقول r ( بدأ الإسلام غريبًا ويعود غريبًا كما بدأ ) صحيح مسلم.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يلح على المسلمين اليوم هو: إذا كان الإسلام هو المرشح لإنقاذ هذه الحضارة أو لوراثتها ، فهل المسلمون المعاصرون مرشحون أيضًا لهذه الوراثة ؟ إنه كما يقول بعض المفكرين ــ الدكتور يحيى الرخاوى ــ لا يمكننا ذلك ( طالما نحن لا نفعل إلا أن نكرر حياتهم على مستوى أفشل وبمحتوى أضحل ) .( ولن يغير من الأمر شيئًا أن نضيف إلى نموذجهم نشاطًا خاصًا بالجانب الوجدانى القلبى المتدين ..

وليس بديلًا ما ندعيه من ممارسات إسلامية لمجرد أن اللافتة تعلن شيئًا مختلفًا عن لافتتهم ، نمارس تحته ما يملونه علينا .

ولن ينفعنا أن نشق أنفسنا إلى نصفين: فنعيش حياتنا العلمية والسياسية والاقتصادية بأسلوب علمانى تمت صياغته هناك . ونعيش حياتنا الروحية بتسليم عاطفي حالم .

ولن يصلح من شأننا أن نستغل الحماس للإسلام لتجميع طاقات الشباب لتحقيق تغيير يؤدى في النهاية إلى الوجه الآخر من نفس الحضارة العلمانية التي نشيع قرب غروبها).

ثم يستمر قائلًا: ( ليس بالضرورة أن يكون تأزم حال المسلمين يعنى تأزم الإسلام . فكما نكرر دائمًا:"أزمة جيل ليست بأزمة مصير"و"أزمة نخبة ليست بأزمة أمة") 16\1\ 1984.

ومهما يكن فإن المسلم المرشح لهذا الدور لن يتحقق عن طريق الإشباع الاستهلاكي ، والتطلع إلى شهوات الدنيا ومتاعها أو جمع فتات موائد الكبار من الصواريخ وأسلحة الدمار .وإنما يتحقق مستعيدًا لذاته ، وبنائه ، كإنسان في عصر عزت فيه إنسانية الإنسان .

فهو بملياره الذي نطمع أن يتحلى في سلوكه بالقرآن ، يمثل الإنسان المتوازن المتعادل روحًا وجسدًا ونفسًا .. المتعادل في مشيته وإنفاقه ، بل حتى في صوته الخاشع لربه ، ومنه يستمد الهدى والنور .

الإنسان الذي يعيد إلى التصميم الهندسي للحضارة كما أراده الله: جانب الإيمان في ثلاثيته: العلم والعمل والإيمان .

هذا المسلم بسلوكه المتميز يمكنه أن يكون هو أداة التصحيح لمواريث هذه الحضارة ،- بعد أن تسقط - بإرجاع مشروعها الجديد إلى طريق"الحضارة لله".

الإسلام ممثلًا في عصر النبوة بالوحي الخالد ، والسنة الشريفة والاجتهادات البناءة في تراث المسلمين هو الذي يشق طريقه الآن إلى قلوب البسطاء في كل مكان ، كما يشق طريقه إلى العمالقة في حضارة الغرب ، بعد أن أعيتهم الطرق ، طالبين النجاة لعقل كرمه الله ، وإنسان أسلم وجهه لله . ولكن ذلك كله لن يكون إلا وفق سنن الله في الكون .

إن العناية الإلهية تظللنا في جميع أدوار حياتنا ، ولكن من العناية الإلهية أيضًا أن يكون هذا الكون خاضعًا لنظام ، وأن تكون الحضارة خاضعة لقوانين . إنه لا عناية بغير النظام . ولا رحمة بغير القوانين . ! كيف نطلب الرحمة بإبطال القوانين ؟ كيف نطلب الرحمة باللارحمة ؟ قوانين الله في التغيير ، قوانين الله في النصر ، قوانين الله في الحصول على الدنيا ، قوانين الله في عموم البلاء ، قوانين الله في التلاؤم بين الحكام والمحكومين ، قوانين الله في نمو المال ، قوانين الله في أكل الحلال ، قوانين الله في الجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، قوانين الله في قبول الدعاء أورده …

فهل يبدو على الأفق الدامي وارث قريب ؟

وإذا كان السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله في لبنان قال في تصريح له بتاريخ الأربعاء 17 سبتمبر 2003 في افتتاح المؤتمر الدولي للإعلام العربي والإسلامي في بيروت ( أما آن للعرب والمسلمين أن ييأسوا من أمريكا … ) ، فإن لنا أن نترجمها إلى عبارة أكثر عمومية وأقل دبلوماسية: ( أما آن للعرب والمسلمين أن ييأسوا من الغرب … )

في صحيح مسلم بسنده عن أبي نضرة قال كنا عند جابر بن عبد الله فقال يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم . قلنا: من أين ذاك ؟ قال: من قبل العجم يمنعون ذاك

ثم قال: يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مدى . قلنا: من أين ذاك ؟ قال: من قبل الروم

ثم سكت هنية ثم قال قال رسول الله: يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثيا لا يعده عددا .

والله أعلم

[1] \ جريدة الأسبوع 16 سبتمبر 2002 ص

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت