وانظر إلى ما يقوله الأستاذ الدكتور أحمد طربين ــ أستاذ التاريخ الإسلامي - عن معاملة الدولة العثمانية للمسيحيين: ( يبدو أن كثيرًا ممن كتب في هذا الموضوع ، يرى أن الدولة العثمانية أساءت معاملة غير المسلمين ، وخاصة بعد أن ضمت إليها العالم العربي الإسلامي ... وبالمقابل فإن عديدًا من المؤرخين المنصفين يرون أن السلاطين برغم اعتقادهم في قرارة نفوسهم بأن المسيحيين لابد أن يكونوا حلفاء طبيعيين للقوى الأوربية المسيحية المعادية للعالم الإسلامي ، فإنهم لم يتجاوزوا حدود معاملة المسلمين السمحة ــ السابقة ــ بل كان تسامح الأتراك العثمانيين مع مسيحيي الولايات العربية أشد وضوحًا من تسامحهم مع مسيحيي البلقان الذين كانوا في بلادهم أغلبية تتآمر مع النمسا . كما يرون أن الدولة العثمانية حافظت على أملاكهم وحرية عبادتهم وكنائسهم ، وفتحت لهم أوسع أبواب العمل الحر في الزراعة والصناعة والتجارة ، فانتظموا في سلك الحرف المختلفة على قدم المساواة مع زملائهم المسلمين ، وكانوا معهم في تعاطف وود ، بل إنهم برزوا في ميدان التجارة الخارجية لصلتهم مع الأوربيين ، وتكونت منهم طبقة برجوازية غنية ، وها هي ذي سجلات المحاكم الشرعية في مختلف الحواجز العربية تشهد بذلك ... ) المجلة العربية للعلوم الإنسانية بجامعة الكويت العدد 31 صـ 269.
إن عجز الحضارة الأوربية المعاصرة عن دور التسامح هذا هو الذي يشكك في إمكانية التعدد الحضاري بعيدًا عن مظلة الإسلام .
إنها إذن قضية الحضارة وقد أصابها الزيف على يد اللصوص أو غرقت في النزف على أنياب القتلة أو تلطخت بالعهر على أقلام المبشرين من كهنتها الكذابين
إن الإسلام هو المرشح الوحيد لوراثة الحضارة المعاصرة قبيل أن تسقط ــ لمصلحة الإنسانية ــ وليقوم بنفس الدور الذي قام به في وراثة الحضارة اليونانية والرومانية والفارسية من قبل . هناك كانت الوراثة بأن ضم العمل إلى العلم خلافا لليونان . واليوم فإن الوراثة بأن يضم الإيمان إليهما خلافا لأوربا .
وهذا لا يعنى أن الحضارة الإسلامية تنحصر ضمن قيود ضيقة ، أو أنها خاضعة دائمًا لتفاصيل ما تم إنجازه في تاريخ الحضارة الإسلامية .
إن أقصى ما نقرره من قيود للحضارة الإسلامية لا يتعدى ثلاثية: العلم والعمل والإيمان . وهي بعد ذلك ــ ومع ذلك ــ تقبل أن تتم إنجازها في صور متعددة ولكنها متقاربة ، فيصبح التعدد هنا كالتنوع داخل الجنس الواحد ، فيخرج إلى الوجود حضارة إسلامية ينتجها العرب ، كما يخرج إليه حضارة إسلامية ينتجها الفرس ، أو حضارة إسلامية ينتجها العثمانيون ، أو حضارة إسلامية تنتجها أوربا .
إن الجمع بين أركان الحضارة الثلاثة التي هي العلم والعمل والإيمان هو مجمع تحديات المستقبل بالنسبة للإنسان على هذه الأرض ، وهنا تبدو لنا ملامح نصرة الإسلام في مستقبل صنع الحضارة خصوصًا إذا لاحظنا بعض الظواهر التي تبدو أمامنا منذ الآن ومن أهمها: أن العالم الإسلامي صائر حتمًا إلى ولادة جديدة ، وهذا هو مصدر الفزع عند كهنة الحضارة الغاربة
لقد فاتت الفرصة على اليابان لوراثة هذه الحضارة فيما يقوله هارولد لاسكي ( لقد كان من الممكن أن تتعلم اليابان كيف تكون قنطرة بين الشرق والغرب ، ولكن يبدو أنها لم تستفد شيئًا سوى ذلك الدرس الغث: الاستعمار الاقتصادي ، لقد اكتشفت"المهارة"في لندن وبرلين وباريس ونيويورك ، ولكنها ــ أي اليابان لم تكتشف مثلهم الهدف الكبير الذي تهب له هذه المهارة..) محنة الديموقراطية ج1 ص 12-13 .
إنه إذا كانت الصين ــ فيما يقال ــ تتطلع بمليارها إلى وراثة هذه الحضارة المتداعية فقد يتساءل البعض منا: ــ لم لا نتطلع بدورنا ــ إن صلح أمرنا كما يقول الدكتور رشدي فكار في كتابه نهاية عمالقة ص 137 - 138 ــ إلى مكاننا في هذه الوراثة ؟ بمليارنا الإسلامي الذى يرتكز على الوطن العربي والذي يمتد إسلاميًا في آسيا وافريقيا ؟
الآخرون المتطلعون إلى هذه الوراثة يتفاوتون في ارتكازهم على وحدة الأرض ، أو وحدة اللغة ، أو وحدة التاريخ ، أو وحدة العقيدة ، بينما نحن المسلمين نرتكز على هذه الركائز جميعًا ؟
و يتفاءل بعض المفكرين الغربيين المنصفين - وهم قلة - بوراثة الإسلام لهذه الحضارة المتداعية ، إذ يقول روجيه جارودى ( لقد سبق للإسلام أن أنقذ امبراطوريات متهافتة من الفناء في القرن السابع الميلادى.)