فهرس الكتاب

الصفحة 9419 من 27345

ليست القضية - فحسب - أننا طرنادهم من الشرق الأوسط قديمًا ، حيث هو في نظرهم قد كان مستعمرة أوربية: يونانية ، ثم رومانية ، لقرون طويلة ، ثم قضى عليها الإسلام .

وليست القضية - فحسب - أننا طرنادهم ــ كما يعتقدون ــ من الجزيرة العربية ، تلك التي يقول عنها القس الشهير"زويمر"؛: إن للمسيح الحق في استرجاع الجزيرة العربية ؛ ــ نعم هكذا ــ أو طبقًا لقول القس جيمس كانتين مؤسس الإرسالية الأمريكية عام 1889 ( إن من واجبنا أن نعيد( !! ) هذه المنطقة إلى أحضان المسيحية ) .

ليست القضية- فحسب - أننا أنزلنا المسيح إلى منصب النبوة ، وحرمناه مجد الألوهية .

وليست القضية- فحسب - أنهم ضربونا بقبضات شديدة استمرت قرنين فيما يسمى الحروب الصليبية .

وليست القضية - فحسب - أنهم افتروا على الله الكذب وشتموا رسول الله ، وهتكوا مقدساتنا ، وقذفوا أمهاتنا وكتبوا في أعراضنا ما لم يكتبه"اليهود"عن"مريم".

وليست القضية- فحسب - أنهم طردونا من الأندلس ، أو أزاحونا من وسط فرنسا ، أو أزهقوا وجودنا في مناطق من أوربا الشرقية وشمال البحر الأبيض المتوسط ..

وليست القضية- فحسب - أنهم سفحوا دماءنا في افريقيا ، وأوربا ، وقطعوا شرايينا في آسيا ، وتركوها تسفح أنهارًا وجداول ..

وليست القضية - فحسب - أنهم أخرجوا فلذات أكبادنا من فلسطين واستوردوا إليها مطاريد اوربا ومن لا يكادون يعرفون أكثر من أسماء قبائلهم ممن يسمون"الفلاشا"..

ليست القضية ذلك فحسب .

لو أن القضية كانت ذلك ــ فحسب ــ لجاز لبعض أبواقهم أن يخدروا وعينا بكلام عن نسيان الماضي ، وتصفية الأحقاد ، واستقبال النظام العالمي الجديد"بأيد متشابكة وقلوب مفتوحة".. كلا

لو أن القضية كانت كذلك أو بعض ذلك لجاز لبعض دروايشهم أن يعلنوا استغرابهم لما يدور على ساحة التاريخ والجغرافيا بيننا وبينهم في حين أنه لقد كانت حروب ضارية بينهم وبين اليابان مثلا ثم انتهت المسألة وتم غلق الملف ورجعوا حبايب (!!)

إن اليابان ليست في وارد القياس على حالنا وحالهم

إن التناقض بين ذاتية الحضارة الإسلامية ، وذاتية تلكم الحضارة الغربية ، أو"الأوربية ، أو"العالمية"تناقض موضوعي تحركه النظرة إلى المستقبل ، أكثر مما تحركه مواريث التاريخ ، أو عقم الحاضر …تناقض يتحرك بطبيعته من كونهما حضارتين متنافستين على"المستقبل".حضارتين تتصف كل منهما"بالعالمية"…فالإسلام دين"عالمي"وحضارة عالمية ، باستثناء ما أسفر عنه تاريخ كل منهما من فرق أساسي ، فبينما درجت حضارتهم منذ نشأتها على الإصرار على إبادة الآخر كان للحضارة الإسلامية منهج مختلف يقوم على الاعتراف به ومحاولة احتوائه . ."

هذه الحضارة ــ الغربية ــ تعلن على الأشهاد أنها حضارة"إنسانية"وتصدر إلى أنحاء العالم قيمها ومفاهيمها فيما تسميه"الديموقراطية"و"حقوق الإنسان"والعولمة و"قرارات مجلس الأمن". حضارة أخذت تدس أنفها في كل دولة ، ومدينة ، وشارع ، وزقاق ، وبيت ..."أخذت تقول: نعم ، وتقول: لا ، في شئون السياسة والاقتصاد ، والتربية ، والإعلام ، والحرب ، والثقافة والرياضة ، وأوقات العمل ، وأوقات الفراغ .. وهى تتسرب بكلمتها تلك تحت شعار"العالم الذى أصبح كقرية"عن طريق: الخبر ، والجندى ، والكمبيوتر ، والمعلومات والقروض ، والمنتديات ومراكز البحوث ، والسلام الزائف ، والمؤتمرات ، أنظر مقال محمد حسنين هيكل الذى تضمن بيانًا عن معركة تطويع العقل المصري لقبول الصلح مع إسرائيل ، وكيف أنفق الغرب على هذه المؤتمرات في مدى عامين أو ثلاثة ما يساوى"تكاليف حرب كبرى: جريدة الخليج 21/5/1996 .

وهى مستعدة لإدخال كلمتها عن طريق النظريات المزيفة عن"نهاية التاريخ"، لفوكوياما ، أو عن طريق كلمة وقحة لمأجور مؤتمرات يقول لك: أنت تأكل خبزهم فيكف ترفض"هُمْ"!! فبدلا من ان يفكر كيف يحررنا من خبزهم يدعونا إلى أن نكون عبيدا للقمتهم .

نعم ، حضارة تزعم أنها إنسانية ، عالمية ، والإسلام رسالة عالمية أيضًا . ومن هنا كان التناقض شيئًا غير قابل للنسيان أو القياس على حالهم مع اليابان . كان التناقض بين حضارتهم وبين الإسلام ــ كدين وحضارة ــ تناقضًا موضوعيًا ، ومعركة على"المستقبل"في المكان والزمان .

وللأسف فإنهم يدركون هذه الحقيقة أكثر مما ندركها نحن ... فهم أساتذة"تاريخنًا"الذي نتعلمه منهم ... وهم أساتذة الاجتماع والنفس .. وهم أساتذة الاقتصاد ... وأساتذة الفلك والفضاء ...وهم أساتذة الاستراتيجية ، والسياسة ، والحضارة ...

هم يدركون بمقتضى أستاذيتهم لعلم الحضارة: أنه لا مكان في العالم لحضارتين"عالميتين"... إلا أن يقع بينهما تنافس ، وتزاحم ، وتدافع ، وتآكل في الحدود ، وصراع على محل"القلب".. وإذن فسيلعنهم تاريخهم إن تركوا فريستهم ـ نحن ـ بعد أن اصطكت الركب ، وناخت الأقدام ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت