فهرس الكتاب

الصفحة 9453 من 27345

9-تفرقة بعض ذوي الأسوة والقدوة، في معاملة المتأسّين أو المقتدين: فقد يغيب عن بالهم الأسلوب الأمثل في معاملة المتأسين أو المقتدين، فتراهم يقربون البعض ويفسحون صدورهم له، ويتغاضون عن هفواته وأخطائه، في الوقت الذي يعرضون فيه عن البعض الآخر، ويضيقون به ذرعًا، ويفتحون عيونهم على أدنى الهفوات والزلات التي تقع منه، وربّما كان في الصنف الأول من لم تكتمل تربيتهم، ولم تنضج شخصياتهم بعد، ويشاهد هذه التفرقة في المعاملة، فيخطر بباله أنها نابعة مما لديه من إمكانات ومواهب، لا توجد عند الآخرين، ويظل هذا الخاطر يلحّ، حتى يكون الإعجاب بالنفس، ثم الغرور. ولقد سد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الباب من خلال:

حرصه على معاملة أصحابه بالسوية: إذ كان من هديه صلى الله عليه وسلم كما يقول واصفوه:' أن يعطي كل جلسائه نصيبه، ولا يحسب جليسه أن أحدًا أكرم عليه منه' رواه الترمذي في'الشمائل' .

ويوم أن كانت الحاجة تلجئه صلى الله عليه وسلم إلى التفريق في المعاملة، ولا يفهم جليسه الحكمة من وراء ذلك، كان يبين صراحًا: فَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى رَهْطًا وَسَعْدٌ جَالِسٌ فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا فَقَالَ:" أَوْ مُسْلِمًا" فَسَكَتُّ قَلِيلًا ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا فَقَالَ أَوْ مُسْلِمًا ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي وَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ:" يَا سَعْدُ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ" رواه البخاري ومسلم وأبوداود والنسائي وأحمد.

آثار الغرور على الدعاة:

فمن آثاره على الدعاة فوق ما قدمنا في آفة الإعجاب بالنفس:

1-الوقوع في غوائل المراء والجدل: فالمغرور - لحبه لذاته، ورؤيته لعمله، واحتقاره لأعمال الآخرين - يحاول دائما الانتصار لنفسه، والغلبة لها بالحق أو بالباطل، ويزين له الشيطان أن أفضل وسيلة توصل إلى ذلك إنّما هي المراء والجدل، وينطلي عليه هذا التزيين؛ فيقع فيه، وحينئذ تضيع عليه الأوقات، ويذهب العمر سدى، وذلك هو الضلال والضياع. وقد لفت النبي صلى الله عليه وسلم النظر إلى ذلك فقال:"مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ" رواه أبوداود وابن ماجه .

كما حض على التحرر من المراء والجدل بأوجز عبارة، وألطف أسلوب، فقال:"أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ" رواه أبوداود.

2-الوقوع في حبائل التكبر في الأرض بغير الحق: فالغرور حين يتمكن من النفس؛ يتحول من مجرد استصغار واحتقار ما يصدر عن الآخرين من أعمال، إلى ترفعٍ وتعالٍ على هؤلاء، وللترفع والتعالي، أو التكبر عواقب وخيمة، وآثار ضارة، سنقف عليها بالتفصيل أثناء الحديث عن ' آفة التكبر'.

3-الاستبداد بالرأي: فالمغرور لرؤيته نفسه، يعتقد أن ما يصدر عنها سداد لا خطأ فيه، وأن ما يصدر عن الآخرين خطأ لا سداد فيه، ومثل هذا إذا دعي إلى حقّ عليه النزول عليه، والإذعان له؛ فيبقى مستبدًا برأيه، واستبداده برأيه يجعله يعيش حياته غارقًا في الأخطاء، حتى يهلك مع الهالكين.

آثار الغرور على العمل الإسلامي:

1-سهولة اختراقه من قبل أعداء الله: الأمر الذي يؤدي إلى ضربه، أو على الأقل إجهاضه، فلا يؤتي ثماره إلا بعد تكاليف كثيرة وزمن طويل.

2-انقلاب العامة والبسطاء من الناس عليه، ونيلهم منه لا سيما في أوقات الشدائد والمحن: نظرًا لأنهم لم يروا من المنتسبين إليه إلا غرورًا يتجلى في الازدراء والاحتقار لأعمالهم، وهذا وحده فيه ما فيه.

مظاهر الغرور:

1-دوام التحقير والتسفيه لأعمال الآخرين حتى وإن كانت خيرًا .

2-كثرة الحديث عما يصدر عن النفس من أعمال، مع مدحها والرفع من شأنها .

3-صعوبة الإذعان، والانقياد للحق، حتى وإن كان صادرًا عمن هو أهل له .

علاج الغرور:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت