وهو الغضب في غير معصية الله -تعالى- ولم يتجاوز حدَّه كأن يجهل عليه أحد , وكظمه هنا خير وأبقى قال تعالى ( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: 134) ومما يُذكر هنا أن جارية لعلي بن الحسين جعلت تسكب عليه الماء , فتهيأ للصلاة , فسقط الإبريق من يد الجارية على وجهه فشجه , فرفع علي بن الحسين رأسه إليها، فقالت الجارية: إن الله -عز وجل - يقول: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) فقال لها: قد كظمت غيظي . قالت (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) فقال لها: قد عفا الله عنك . قالت: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) قال: اذهبي فأنت حرة (24) .
وتغضب حتى إذا ما ملكتَ *** أطعتَ الرضا وعصيتَ الغضب (25)
وقال نوح بن حبيب: كنت عند ابن المبارك فألحوا عليه . فقال: هاتوا كتبكم حتى أقرأ . فجعلوا يرمون إليه الكتب من قريب ومن بعيد ، وكان رجل من أهل الري يسمع كتاب الاستئذان فرمى بكتابه فأصاب صلعة ابن المبارك حرفُ كتابه فانشق ، وسال الدم , فجعل ابن المبارك يعالج الدم حتى سكن ثم قال: سبحان الله كاد أن يكون قتال ثم بدأ بكتاب الرجل فقرأه (26) .
قال ابن حبان -رحمه الله تعالى-"والخلق مجبولون على الغضب ، والحلم معا ، فمن غضب وحلم في نفس الغضب فإن ذلك ليس بمذموم ما لم يخرجه غضبه إلى المكروه من القول والفعل على أن مفارقته في الأحوال كلها أحمد" (27) ا.هـ
درجات الناس في قوة الغضب:
الأولى: التفريط: ويكون ذلك بفقد قوة الغضب بالكلية أو بضعفها .
الثانية: الإفراط: ويكون بغلبة هذه الصفة حتى تخرج عن سياسة العقل والدين ولا تبقى للمرء معها بصيرة ونظر ولا فكرة ولا اختيار .
الثالثة: الاعتدال: وهو المحمود وذلك بأن ينتظر إشارة العقل والدين (28) .
علاج الغضب:
( ما أنزل الله داء إلا وأنزل له شفاء ) (29) ومن الأدوية لعلاج داء الغضب:
أولا: الاستعاذة بالله من الشيطان
قال تعالى ( وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (فصلت:36) عن سليمان بن صرد -رضي الله عنه - قال: كنت جالسا مع النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ورجلان يستبان فأحدهما احمر وجهه , وانتفخت أوداجه , فقال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ( إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان ذهب عنه ما يجد ) فقالوا له: إن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: ( تعوذ بالله من الشيطان ) فقال: وهل بي جنون . (30) . قال ابن القيم -رحمه الله تعالى -"وأما الغضب فهو غول العقل يغتاله كما يغتال الذئب الشاة وأعظم ما يفترسه الشيطان عند غضبه وشهوته" (31) ا.هـ
ثانيا: تغيير الحال
عن أبى ذر -رضي الله عنه -أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال ( إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع) (32) .
ثالثا: ترك المخاصمة والسكوت
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله تعالى"ومن الأمور النافعة أن تعلم أن أذية الناس لك وخصوصا في الأقوال السيئة لا تضرك بل تضرهم إلا إن أشغلت نفسك في الاهتمام بها , وسوغت لها أن تملك مشاعرك , فعند ذلك تضرك كما ضرتهم , فإن أنت لم تصنع لها بالا , لم تضرك شيئا" (33) .
يخاطبني السفيه بكل قبح *** فأكره أن أكون له مجيبا
يزيد سفاهة وأزيد حلما *** كعود زاده الإحراق طيبا
عن ابن عباس -رضي الله عنهما -عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال ( علموا وبشروا ولا تعسروا وإذا غضب أحدكم فليسكت ) (34) . قال ابن رجب -رحمه الله تعالى-"وهذا أيضا دواء عظيم للغضب ؛ لأن الغضبان يصدر منه في حال غضبه من القول ما يندم عليه في حال زوال غضبه كثيرا من السباب وغيره مما يعظم ضرره , فإذا سكت زال هذا الشر كله عنده , وما أحسن قول مورق العجلي -رحمه الله- ما امتلأتُ غضبا قط ولا تكلمتُ في غضب قط بما أندم عليه إذا رضيت" (35) ا.هـ
قال سالم ابن ميمون الخواص:
إذا نطق السفيه فلا تجبه *** فخير من إجابته السكوتُ
سكتُّ عن السفيه فظن أني *** عييتُ عن الجواب وما عييتُ
شرار الناس لو كانوا جميعا *** قذى في جوف عيني ما قذيتُ
فلستُ مجاوبا أبدا سفيها *** خزيتُ لمن يجافيه خزيتُ (36)
وقيل:
ولقد أمر على السفيه يسبني *** فمررت ثمَّتَ قلتُ لا يعنيني
وقال الصفدي:
واستشعر الحلم في كل الأمور ولا *** تسرع ببادرة يوما إلى رجل
وإن بليت بشخص لا خلاق له *** فكن كأنك لم تسمع ولم يقل
رابعا: الوضوء
عن عطية السعدي -رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ( إن الغضب من الشيطان ؛ وإن الشيطان خلق من النار ، وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ ) (37) .