أما سماع الغناء من المرأة التي ليست بمحرم فإن أصحاب الشافعي قالوا: لا يجوز.. سواء كانت حرة أو مملوكة وقال الشافعي وصاحب الجارية إذا جمع عليها الناس لسماعها فهو سفيه ترد شهادته، ثم ذكر وصفا غليظا.. وإنما جعل صاحبها سفيها لأنه دعا الناس إلى الباطل ومن دعا الناس إلى الباطل كان سفيها"اه أيبقى مجال لتصديق ما أوردت الفتوى من القول المنسوب لابن العربي"لم يصح في تحريم الغناء شيء"وقول الذي أفتى"أن الغناء لم يحرمه حديث شريف و لا سنة نبوية"؟ ومع هذا فلا بأس بأن أورد لمن قالوا"الغناء المحتشم ليس حراما"من أصح كتابين بعد القرآن الكريم - البخاري ومسلم - عن عائشة رضي الله عنها قالت:"دخل عليّ النبي صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش وحول وجهه ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: أمزمار الشيطان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال دعهما، فلما غفل غمزتهما فخرجتا"."
أن الرسول لم ينكر على أبي بكر قوله عن الغناء - غناء جاريتين عند سيدة بما لا فحش فيه ولا شبهه -:"مزمار الشيطان"وإنما أقرهما الرسول لأنهما جاريتان غير مكلفتين تغنيان بغناء الأعراب الذي قيل يوم بعاث من الشجاعة والحرب، وكان اليوم يوم عيد.
وقد حكى أبو عمرو بن الصلاح الإجماع على تحريم السماع الذي جمع الدف والشبابة فليرجع من شاء إلى فتاويه في ذلك ينتهي معه إلى قوله.."ومن يتتبع ما اختلف فيه العلماء أو أخذ بالرخص من أقاويلهم تزندق أو كاد"اه
وقال أبو سليمان الدراني"لو أخذت برخصة كل عالم، وزلة كل عالم، اجتمع فيك الشر كله"وقال ابن قيم الجوزية رحمه الله في كتابه"إغاثة اللهفان":"قد تواتر عن الإمام الشافعي رضي الله عنه قوله"خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير - وهو كما قال ابن دريد - تهليل أو ترديد صوت بقراءة وغيرها - يصدون به الناس عن القرآن فإذا كان قول الشافعي في التغبير - وهو من الرجال أيها الناس - وتعليله له أنه يصد عن القرآن وهو شعر مزهد في الدنيا يغني به مغن ويضرب بعض الحاضرين بقضيب على نطع أو حجرة على توقيع غناء فليت شعري ما يقول في سماع - التغبير عنده كنقطة في بحر - قد اشتمل على كل مفسدة وجمع كل محرم فالله بين دينه وبين كل متعلم مفتون وعابد جاهل وقد كتب خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز لمؤدب ولده: ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمن فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم أن صوت المعازف واستماع الأغاني واللهج بها ينبت النفاق في القلب كما ينبت العشب في الماء"ذكره الإمام ابن القيم."
ولابن القيم رحمه الله تنبيهان، في كتابه"إغاثة اللهفان"يصف في أولهما المعكوف على السماع بما يشمئز به عن السماع ذووا القلوب وساق المذاهب الأربعة في السماع.. ويذكر في ثاني التنبيهين في"إغاثة اللهفان"أن السماع من الأجنبيات من أعظم المحرمات وأشدها إفسادا للدين.. وقال فيه: وما خالف في الغناء إلا رجلان إبراهيم بن سعيد والعنبري فإن الساجي حكى عن الأول أنه كان لا يرى به بأسا أما الثاني فهو مطعون فيه"اه."
لقد أرخيت للقلم العنان وما يزال للإفاضة في الغناء مكان فلا اجتزئ راضيا بقول أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز:"ما ساح السياح وخلوا ديارهم وأولادهم إلا لمثل ما نزل بنا حين رأوا الشر قد ظهر والخير قد اندرس ورأوا الفتن ولم يؤمنوا أن تغيرهم وأن ينزل العذاب بأولئك القوم فلا يسلمون منه فرأوا أن مجاورة السباع وأكل البقول خير من مجاورة هؤلاء في نعيمهم ثم قرأ {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} الذاريات 50".
قال:"فر قوم فلولا ما جعل الله جل ثناؤه في النبوة ما جعل لقلنا ما هم بأفضل من هؤلاء فمما بلغنا أن الملائكة لتلقاهم وتصافحهم والسحاب والسباع تمر بأحدهم فيناديها فتجيبه ويسألها أين أمرت ؟فتجيبه وليس بنبي".
والله المسؤول أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه وأن يرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه وأن لا يجعله ملتبسا علينا فنضل ونهلك وطوبى لمن آثر الحق فظاهره وآثره وإن تركه وما له من صديق.
معوض عوض إبراهيم
الباحث العلمي برئاسة البحوث
العلمية والإفتاء