( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلًا إن الله يعلم ما تفعلون. ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا تتخذون أيمانكم دخلًا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمةٍ إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون )
[ النحل: 91-92 ]
فإذا انطلق الداعية المسلم يدعو الناس إلى الحقيقة الكبرى في الكون والحياة، وإلى أخطر قضية في حياة كل إنسان، على نهج محدد جلي، فإنه يكون قد بدأ بالقضية الحق، ومضى على صراط مستقيم بيَّنه الله وفصَّله وأمر عباده المؤمنين أن يتبعوه ولا ينحرفوا عنه، ولا يتوقفوا ولا يتراجعوا . فيكسب الداعية بصدقه وبذله ووفائه النجاة من فتنة الدنيا وعذاب الآخرة، ويمضي إلى الجنة بإذن الله وعفوه ورحمته.
ليست القضية قضية تلاوة لكتاب الله أو حفظه أو دراسة السنة، أو حركات السجود والركوع، أو الجوع الناتج من مظاهر الصيام، أو غير ذلك ! إن الأمر أعمق من هذا، إنه أمر تقوم عليه تلاوة منهاج الله وتدبره، وتقوم عليه الشعائر، وتصدق به الصلاة والصيام، إنه أمر يقوم عليه كل عمل ابن آدم فَيُقْبَلْ عند الله إن صح هذا الأمر، ولا يُقْبَلْ إن لم يصح.
إن هذا الأمر هو الحقيقة التي تستقر في أعماق النفس المؤمنة، إنه الصفاء والصدق والوعي في الإيمان والتوحيد. إنها الفطرة السليمة، والقلب الطاهر، القلب الذي يشعر بالعبودية الكاملة لله رب العالمين، بالولاء الأول له، والعهد الأول معه، والحب الأكبر لله ولرسوله، فيقبل على الآخرة بشوق صادق، ويأخذ زاده الطاهر من الدنيا في رحلته هذه، زادًا طاهرًا من عمل طاهر، وجهاد طاهر، ماض على صراط مستقيم، صراط مستقيم يجمع المتقين، وينفي المنافقين المفسدين الذين لن تنفعهم مظاهر صلاتهم وصيامهم وقد خانوا وكذبوا وخدعوا.
ومهما طال أمرهم في الدنيا، فإن مردهم إلى الله، لا يفلتون أبدًا من عقابه. وإن الله ليملي للظالم حتى يأخذه أخذًا أليمًا. والشرك أشد أنواع الظلم، والنفاق أشد أنواع الشرك وأبعده فسادًا، حتى كان المنافقون في الدرك الأسفل من النار.
وأشد أنواع النفاق هو طلب الدنيا تحت شعار الإسلام، وإخفاء ذلك في الصدور، وإشعار الناس أنه يطلب الآخرة كذبًا ومكرًا.
ومن أخطر مطالب الدنيا: الجاه والسمعة، والنساء، والمال. فتكاد تكون هذه أهم منافذ الشيطان إلى الإنسان، إلى قلبه وفكره، حتى يُفْتَنَ. ولذلك جعل الإسلام ميزانًا يُكشف به المنافقون، ميزانًا دقيقًا يكشف به ظاهر المنافقين، وأما باطنهم فلا يعلمه إلا الله، ليذيقهم العذاب الأنكى والأشد في الدرك الأسفل من النار.
فعن ابن عمر رضي الله عنه عن الرسول ? أنه قال:"من طلب العلم ليباهي به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو ليصرف به وجوه الناس إليه فهو في النار".
[رواه الترمذي وابن ماجه ] (2)
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن الرسول ? أنه قال:"إنا والله لا نولي على هذا العمل أحدًا سأله ولا أحدًا حرص عليه".
[ رواه مسلم ] (3)
وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه عن الرسول ? قال:"ما تركت بعدي في الناس فتنة أضر على الرجال من النساء".
[ رواه مسلم ] (4)
عن ابن عباس رضي الله عنه عن الرسول ? أنه قال:"من سمَّع سمّع الله به، ومن راءى راءى الله به".
[رواه مسلم ] (5)
وفي كتاب الله وسنة نبيه ? أمثلة كثيرة من آيات وأحاديث تكشف أبواب الفتن ومسالك النفاق ودروب الشيطان ليحذرها المؤمن لا ليقع فيها.
لقد كان بين المؤمنين أيام الرسول ? منافقون، يسعون لدفع المؤمنين إلى الانحراف عن الصراط المستقيم، فرد الله كيدهم في نحورهم وأخزاهم، وقد عرف المؤمنون أساليبهم ومكائدهم، فحذروا منهم أشدَّ الحذر، حتى صار المنافق يعرف بسمات النفاق ولو لم يعرف اسمه: ( ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم )
[ محمد: 30 ]
فكيف حالنا اليوم ؟! وقد اختل الميزان بأيدي الناس، واضطربت المكاييل، وامتدت الفتن بكل أشكالها: حب السمعة والجاه، وطلب المركز ذي السلطة والنفوذ، والجري اللاهث وراء المال ووراء النساء.
لابد أن يصدق الميزان اليوم بأيدي المؤمنين، حتى لا تصب جهودهم في ساحة المنافقين أو أعداء الله وهم لا يشعرون. وقد يكشفون ذلك بعد عشرات السنين، وفوات الفرصة ووقوع البلاء وغلبة الأعداء !
فَلْنُغَيِّرْ ما بأنفسنا كلنا أيها المسلمون حتى ننجو من الفتنة والابتلاء، وحتى يغير الله حالنا إلى النصرة والعزة والتمكين.
(1) الفتح الرباني: أحمد: 19/127. الترمذي: 37/56/2398، النسائي: في الكبرى الطب. ابن ماجه: الفتن ـ باب الصبر على البلاء.
(2) صحيح الجامع الصغير وزيادته: ( ط: 3 ) ( رقم: 6382، 6383 ) .
(3) المصدر السابق: ( رقم: 4292 ) .
(4) مسلم: 48/26/274.
(5) مسلم: 53/5/2986.