وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ) ، ( إن أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله، والحب في الله والبغض في الله ) ، ( وهل الدين إلا الحب في الله والبغض في الله ) ، ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار ) .
وما فات الشيوعيين من هذا الأمر هو عين ما فات بعض المسلمين الذين امتلأت قلوبهم خوفا وطمعا، وحرصا وهلعا، فتردوا في مهاوي الشيطنة تبريرا وتحريفا وتأويلا، فقست قلوبهم قسوة لم ينصروا معها مظلوما، أو يغيثوا ملهوثا، ولم يتذكروا معها أرملة لشهيد، أو ولدا لمهاجر، أو أسرة لمعتقل، بل لم يعودوا معها مستعدين حتى لاستماع الحق، والحوار حوله أو معه، كما هو شأن قوم نوح الذين لم تزدهم دعوته إلا فرارا، ولم يزيدوا عند سماعهم إياها على أن (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ) نوح 7.
وهو ما فات أيضا بعض شباب الحركة الإسلامية الذين استعجلهم حب الظهور والزعامة، فحاولوا شق الصف وفتنة الجماعة والتجسس عليها والكذب عليها، بتأويل الأقوال والتصرفات، وتبرير الأعمال والتوجهات، مدججين بكل ما يخطر وما لا يخطر على بال من مكر، غير متورعين عن استعمال أخس أساليب الكيد والشيطنة، فكان عاقبة أمرهم أن ارتكسوا في الفتن أو قبعوا في مزابل الخزي والنسيان، أو اضطروا إلى التذلل والاعتذار لملاحدة العصر وشيوعييهم والتملق حتى لداعراتهم، لعَلَّ توبتهم من سابق انتمائهم الإسلامي تقبل، ومكاسبهم الدنيوية تحفظ، أو شغلوا عن فتنة الدعوة وأهلها بما اقتضته حكمة العلي القدير، نسأل الله العفو والعافية.
إن الشطط في الاعتماد على القلب والعقل يخرج عن دائرة السواء، كما أن العدل في الاعتماد عليهما والمزاوجة بينهما بالضوابط التي تنظم حركتهما، يضمن السواء في جميع الميادين، ويجعل الإنسان مستويا على ساقين سليمتين، والدين ميسرا واضحا لكل ذي عينين، والعلم الطبيعي متطورا مزدهرا في خدمة الإنسانية، ومن أجل سعادتها.
ولقد حققت العقول عندما سخرت في مجالها وحدودها، ما نراه من تقدم وريادة وتطور في مختلف العلوم، صناعة، وزراعة، وطبا، وفلكا، وفضاء، وذرة...
كما أنشأت القلوب الحية الربانية نماذج من الرجال الأفذاذ الذين غيروا وجه التاريخ، ورفعوا شأن الأمة، وحققوا مجتمع السعادة والطمأنينة والرخاء والحرية...
كما تورطت العقول والقلوب عندما تجاوزت حدودها وهي تعالج قضايا الغيب والشهود في متاهات من الأخطاء هبطت بها إلى مستوى تساؤلات الصبية والحمقى، دون أن تحقق أدنى نتيجة.
ومع ذلك فإن الخطأ في استعمال العقل والقلب ليس بالأمر الخطير إذا توفر الإخلاص والموضوعية والصدق في البحث عن الحق، والإرادة الصلبة للنقد الذاتي، والتحكم الواعي في السلوك والاختيارات، إذ سرعان ما يتراجع المخطئ إلى الصواب كلما اكتشفه.
لكن إذا رافق الخطأ نية فاسدة، أو حرص على مصلحة ذاتية، تعذر الإصلاح واستحال الرجوع، مثلما هو الحال لدى الماركسيين الذين تأبى أهواؤهم الثورة على الذات وتقتضي مصالحهم ركوب الموجة الإسلامية فيرفعون شعار"الدين عقل فقط". أو لدى وعاظ السلاطين الذين يتخذون يدا في جيب الحاكم ويدا في جيوب العامة، محاولين استغفال الطرفين واحتلابهما. أو لدى شيوخ الصوفية الذين تقتضي مصالحهم استغفال الأتباع، وتحويلهم إلى موتى بين أيدي غاسليهم، أو عجين في قصعة بين أيديهم فيرفعون شعار"الدين قلب فقط".
هذه الفئات لا يجدي لديها نصح، ولا ينفع معها حوار أو تذكير، لأن بينها وبين الحق سدا متينا من هوى الأنفس ومصلح الدنيا، وقد ضرب الله تعالى لهؤلاء ومن على شاكلتهم مثلا من قوم ثمود فقال: ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) فصلت 17.
أمة القرآن من القرآن
لفضيلة الشيخ محمد الحمداوي رحمه الله تعالى
انظر ترجمة حياته في نافذة"سير وصور"
كانت الغاية الشريفة الأولى التي قصدت إليها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، من توجيه الدعوة إلى من وجهت إليهم من علماء المغرب، للمشاركة في موسم المحاضرات الدينية التي تلقى عادة تحت إشرافها بواسطة الإذاعة والتلفزة، بمناسبة حلول شهر رمضان في كل سنة:"أن تعم الفائدة مختلف الأوساط المغربية".
وكانت الغاية الثانية من دعوتها تلك"أن يكون علماء الدين قاموا بواجب الإرشاد والتوجيه الإسلامي".