وعندما تلقيت الدعوة للمشاركة، أخذ خاطري يجول فيما عسى أن يكون أوجب واجبات الإرشاد والتوجيه في هذا الظرف بالخصوص، هذا الظرف الذي وجهت فيه (لأمة القرآن) ضربة لم يسبق أن وجه إليها مثلها في جميع مختلف الظروف العصيبة التي مرت عليها خلال تاريخها المتعاقب، ولم يسبق إلى ذهني أن يكون أوجب من أي واجب من واجبات التوجيه والإرشاد غير تنبيه المستمعين من (أمة القرآن) في هذا البلد، إلى مكمن الداء، وأصل البلاء، فيما نزل من المحن والمصائب التي كانت آخرها في موطن الإسراء والمعراج أجدر بأن يقال فيها ما قيل في أخرى سبقتها.
لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام وإيمان
عن نقطة البدء التي كانت مبدأ ظهورهم على وجه الأرض كمسلمين ، هادين ومهتدين ، وغالبين لا مغلوبين ، وأعزاء لا أذلاء ، وفاتحين لا مفتوحين ، وحاكمين لا محكومين .
وما كانت نقطة البدء تلك، ولا تكون، ولن تكون أبدا سوى (القرآن ) ، القرآن الذي نزل به الروح الأمين على قلب محمد بن عبدالله في شهر رمضان ،"شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ"البقرة 185، بينات من الهدى إلى الخير العام ، خير الجسد وخير الروح ، خير الفرد وخير المجتمع ، خير الدنيا وخير الآخرة . بينات من الفرقان بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال، بين الطيب والخبيث، بين المنجي والمهلك.
كان الإنسان قبل نزول القرآن على الحالة التي وصفها القرآن حين قال الله تعالى:"تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمْ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ"النحل 63ِ، وقد وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- غضب الرب على إنسان ما قبل نزول القرآن حين قال في الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه:"إن الله نظر إلى الخلق فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب ) ولكن رحمة الله التي سبقت غضبه تجلت في أن بعث محمدا للعالمين بشيرا ونذيرا، وصدق الله:"وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ"الأنبياء 107 ، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وصف هذه الرحمة التي حبا الله بها خلقه برسالته فقال:"إنما أنا رحمة مهداة"أبو داوود."
ولقد كانت نقطة البدء في التوجيه الإلهي للرسول المبعوث إلى العالمين بالقرآن ، أن نبهه إلى ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه ، فقال جل وعلا يخاطبه:"إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا"المزمل 6، ولم يكن ثقل القرآن إلا العمل بما جاء به كما جاء ذلك عن الحسن البصري وقتادة ، وأخبره سبحانه وتعالى بأنه ليس بدعا من الرسل السابقين في أن جعل لكل منهم عدوا من المجرمين يحاول صده عما أنزل إليه بكل وسائل الإغراء والإيذاء ، وأن عليه أن يتمسك بالذي أوحي إليه ، وحذره أن ينفلت أو ينحرف أو ينخدع أو ينصاع وإلا فإن الله هو العلي الكبير الذي لا نصر لمن خالف أمره ولا ناصر لمن خذله، فقال تعالى:"وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ"الأنعام116، وقال تعالى:"وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ"البقرة 120، وقال سبحانه:"وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنْ الظَّالِمِينَ"البقرة 145، وقال تعالى:"وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ"المائدة49، وقال عز من قائل:"وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا"الإسراء 73-74-75.