ونحن إذا تأملنا الآيات الكريمة التي يوجه فيها الرب الكريم الخطاب إلى الأمة الإسلامية على سبيل الأمر أو النهي، على سبيل الأمر كقوله تعالى:"يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ"الأنفال 24، وكقوله تعالى:"يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا"آل عمران 103، وقوله:"إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ"الحجرات 10،"فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ"الأنفال 1،"وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى"المائدة 2، أو على سبيل النهي كقوله تعالى:"وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ"الأنفال 8،"وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ"هود 113،"وَلَا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِين مِنْ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ"الروم 32،"يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ"الممتحنة 1، إلى غير ذلك من آيات الخطاب القرآني الموجه إلى الأمة الإسلامية ، أقول: إذا تأملنا هذه الآيات نجد أن المجتمع الإسلامي لا يمكن أن يتصور لشخصيته المعنوية والواقعية أي وجود إلا على معنى وجود متطلبات هذه الآيات في تصرفات أفراده ، وسلوك إنسانه في جميع مجالات الحياة الخاصة والعامة ، ومهما تقسو الظروف أو تلين، فإن هذا التصور الصحيح للأمة الإسلامية على أنها العالمة العاملة بالقرآن هو التصور الذي ينبغي أن لا يغيب عن أذهاننا حين نتلو قول الله تعالى:"وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ"المنافقون 8، وقوله تعالى:"وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا"النساء 14، وحين نقرأ تاريخ الذين أعزهم الله فما أذلهم، ونصرهم فما خذلهم، ورمى لهم حين رموا، في أكثر المعارك، وأغلب الحروب، وأرهب المواقف، فإذا انعكست الآية، ونكست الراية، ورجع الجنود على أعقابهم خاسرين، فاعلموا أن القرآن لم يتل حق تلاوته، ولم تمتثل أوامره ونواهيه، ولم تطبق تعاليمه في شؤون الفرد وفي شؤون المجتمع، وصدق الله:"أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ"الجاثية 21،"وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ"الحج 40.
فإذا كان لأمة القرآن شرف خطاب القرآن لها بأنها خير أمة أخرجت للناس، فإن ذلك لم يكن لها لأنها تسكن مشرق الأرض دون مغربها، أو شمالها دون جنوبها، أو لأن ربك زاد لها بسطة في الجسم على باقي سكان الأرض ، وإنما كان لها ذلك بشرط شرطه عليها القرآن، وهو أنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فالقرآن لم يقل"كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس"آل عمران110، وسكت، ولكنه علق ذلك على الصفة حين قال:"تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ"آل عمران110، فإذا أخلت بذلك الشرط، وخالفت ما أخذ الله عليها من العهد، انعدمت فيها صفة الأفضلية، واستحقت أن ينزل بها ما أنزل بغيرها من الأمم التي خالفت أمر الله، واستمعوا معي إن شئتم إلى هذا الحديث الذي رواه أصحاب السنن عن نبي القرآن قال عليه الصلاة والسلام:"إن من كان قبلكم كان إذا عمل العامل فيهم جاءه الناهي تعذيرا فقال يا هذا، اتق الله، فإذا كان من الغد جالسه وواكله وشاربه كأن لم يره على خطيئة بالأمس، فلما رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض ثم لعنهم على لسان داوود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، والذي نفس محمد بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم"واستمعوا معي أيضا إلى هذا الحديث الآخر الذي يرويه الإمام أحمد وأبوداوود عن نبي القرآن قال صلوات الله وسلامه عليه:"إذا ضن الناس بالدرهم والدينار وتبايعوا بالعينة، وتبعوا أذناب البقر ضرب الله عليهم ذلا فلا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم".