فهرس الكتاب

الصفحة 9573 من 27345

ولهذا المعنى جاءت البسملة مُصاحبةً لكثيرٍ من أعمالِ المسلم وسلوكِه، مما يؤكِّد افتقارَ المسلمِ إلى رحمةِ مولاه في كلِّ حينٍٍ، كما قال القرطبي - رحمه الله:"نَدَبَ الشرعُ إلى ذِكْرِ البسملةِ في أولِ كلِّ فعلٍ: كالأكلِ والشُّربِ والنَّحرِ والجِماعِ والطهارةِ ورُكوبِ البحرِ إلى غيرِ ذلك من الأفعالِ قال الله - تعالى: (فكُلُوا مما ذُكِرَ اسمُ الله عليه) ، وقال: (ارْكَبُوا فيها بسم الله مجريها ومرساها) ، وقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: (أغلِقْ بابَك واذكُرِ اسمَ الله، وأطفىءْ مِصباحَك واذكُرِ اسمَ الله، وخَمِّرْ إناءك واذكُرِ اسمَ الله، وأوْكِ سِقاءك واذكُرِ اسمَ الله) . وقال: (لو أنَّ أحدَكم إذا أرادَ أن يأتِيَ أهلَه قال: بسم الله؛ اللهم جَنِّبْنا الشيطانَ وجَنِّبْ الشيطانَ ما رزقتَنا؛ فإنه إنْ يُقدَّرْ بينهما ولدٌ في ذلك؛ لم يضرَّهُ شيطانٌ أبدًا) . وقال لعُمَر بن أبي سلمة: (يا غلامُ سَمِّ اللهَ، وكُلْ بِيَمينِك، وكُلْ مِما يَلِيك) ، وقال: (إنَّ الشيطانَ لَيَسْتَحِلُّ الطعامَ ألا يُذكَرَ اسمُ الله عليه) ، وقال: (مَنْ لم يذبحْ فلْيذبحْ باسم الله) ، وشكا إليه عثمان بن أبي العاص وَجَعًا يجده في جسدِه منذ أسلم؛ فقال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: (ضعْ يدَك على الذي تألم من جسدِك وقلْ:(بسم الله) ثلاثًا، وقلْ سبعَ مرات: أعُوذُ بعزةِ الله وقُدرتِه مِن شرِّ ما أجِدُ وأحاذِرُ). هذا كلُّه ثابتٌ في الصحيح". [10]

وما أحسنَ قولَ الرازي - رحمه الله:"إنَّ نُوحًا - عليه السلام - لما ركبَ السفينةَ قال: (بسم الله مجراها ومرساها) ؛ فوجدَ النجاةَ بنصفِ هذه الكلمة؛ فمَن واظبَ على هذه الكلمةِ طُولَ عُمرِه كيفَ يَبقَى مَحرومًا مِن النجاة؟ وأيضًا إنَّ سليمان - عليه السلام - نالَ مملكةَ الدنيا والآخرة بقولِه: (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) ؛ فالْمَرْجُوُّ أنَّ العبدَ إذا قاله فاز بمُلكِ الدنيا والآخرة". [11]

2)وأما (الرحمن الرحيم) فاسمان يقتضيان حمدَ الله - عز وجل -؛ لأنهما ينطِقان بنعمةِ الله ورحمتِه؛ فكلما أثْنَى به العبدُ على مولاه؛ تعرَّضَ لمزيدِ رحمتِه وعنايتِه، كما قال السعدي - رحمه الله:"اسمان دالان على أنه - تعالى -ذو الرحمةِ الواسِعةِ العظيمةِ التي وَسِعَتْ كلَّ شَيءٍ، وعَمَّتْ كلَّ حيٍّ، وكَتبَها لِلمُتقِين المتبِعِين لأنبيائه ورُسُلِه؛ فهؤلاء لهم الرحمةُ المطلقة، ومَن عَداهم فلهم نصيبٌ منها". [12] ومعلومٌ أنه"مِن القَواعِدِ المتفَقِ عليها بين سَلَفِ الأمةِ وأئمتِها: الإيمان بأسماءِ الله وصفاتِه، وأحكامِ الصفات؛ فيؤمِنون مثلًا بأنه (رحمن رحيم) ، ذو الرحمةِ التي اتَّصَفَ بها، المتعلِّقة بالمرحومِ؛ فالنِّعَمُ كلُّها أثَرٌ مِن آثارِ رَحمتِه، وهكذا في سائرِ الأسماء". [13]

ورَحِمَ الله صاحبَ الظلالِ حيث قال:"والبَدْءُ باسْمِ الله هو الأدَبُ الذي أوْحَى الله لِنَبيِّه في أولِ ما نَزَلَ مِن القرآنِ باتفاقٍ، وهو قولُه - تعالى: (اقرأ باسمِ ربِّك) . وهو الذي يتفقُ مع قاعدةِ التصوُّرِ الإسلامي الكبرى: مِن أنَّ اللهَ (هو الأوَّلُ والآخِرُ والظاهِرُ والباطِنُ) . فهو - سبحانه - الموجودُ الحقُّ الذي يَسْتَمِدُّ منه كلُّ مَوجودٍ وُجُودَه، ويبدأ منه كل مبدوء بدأه؛ فبِاسْمِه إذن يكونُ كلُّ ابتداء، وباسْمِه إذن تكونُ كلُّ حركةٍ وكلُّ اتجاه. ووَصْفُه - سبحانه - في البدءِ بـ (الرحمن الرحيم) يَستَغرِقُ كلَّ معاني الرَّحمةِ وحالاتها...وإذا كان البدءُ (بسم الله) وما ينطوي عليه من توحيدٍ للهِ وأدبٍ معه يمثل الكليةَ الأولى في التصوُّرِ الإسلامي؛ فإنَّ استِغراقَ معاني الرَّحمةِ وحالاتها ومجالاتها في صِفَتَيْ (الرحمن الرحيم) يُمثِّلُ الكليةَ الثانية في هذا التصوُّرِ، ويقرِّرُ حقيقةَ العلاقةِ بين اللهِ والعِباد". [14]

3)ثم مِن بعد ذلك يجيء التصريحُ بالحمد، [15] وهو ـ مع الدعاء ـ المحورُ الذي تدور عليه سورة الفاتحة: (الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) . [16] ورَحِم الله سيد قطب حيث قال:"وعَقِبَ البدءِ (بسم الله الرحمن الرحيم) يجيء التوجُّهُ إلى الله بـ (الحمد) ووَصْفُه بالرُّبُوبِيةِ المطلَقةِ للعالَمِين: (الحمد لله رب العالمين) . والحمد لله هو الشعور الذي يفيضُ به قلبُ المؤمنِ بمجرَّدِ ذِكرِه لله؛ فإنَّ وُجودَه ابتداءً ليس إلا فَيضًا مِن فُيوضاتِ النِّعمةِ الإلهيةِ التي تَسْتَجِيشُ الحمدَ والثناءَ. وفي كلِّ لَمْحةٍ وفي كلِّ لَحظةٍ وفي كلِّ خطوةٍ تتوالى آلاءُ الله وتتواكبُ وتتجمَّعُ وتغمُرُ خَلائقَهُ كلَّها، وبخاصةٍ هذا الإنسان؛ ومِن ثَمَّ كان (الحمد لله) ابتداء، وكان (الحمد لله) خِتامًا قاعِدةً مِن قواعِدِ التصوُّرِ الإسلامي المباشِر: (وهو الله لا إله إلا هو له الحمدُ في الأولى والآخرة) ". [17]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت