ولله دَرُّ ابن عاشور - رحمه الله - ما أحسنَ قولَه:"لما لُقِّنَ المؤمنون هاته المناجاةَ البديعة التي لا يهتدي إلى الإحاطةِ بها في كلامِه غيرُ عَلاَّمِ الغُيوبِ - سبحانه - قُدِّمَ (الحمد) عليها؛ لِيضعَه المناجُون كذلك في مُناجاتِهم جريًا على طريقةِ بُلَغاءِ العربِ عند مُخاطبةِ العظماءِ أنْ يَفْتَتِحُوا خِطابَهم إياهم وطِلْبَتَهم بالثناءِ والذِّكرِ الجميل. قال أمية بن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جدعان:"
أأذكُرُ حاجتي أم قدْ كفاني =حَياؤك إنَّ شِيمَتَك الحياءُ
إذا أثْنَى عليكَ المرءُ يومًا =كفاه عن تعرُّضِهِ الثناءُ!
فكان افتتاحُ الكلامِ بالتَّحميدِ سُنَّةَ الكتابِ المجيدِ لِكلِّ بَلِيغٍ مُجِيدٍ؛ فلم يَزَلْ المسلمون مِن يومِئذ يُلَقِّبُون كلَّ كلامٍ نَفِيسٍ لم يَشتمِلْ في طالعِه على الحمدِ بالأبْتَر". [18] "
4)فالابتداءُ بالحمدِ شهادةٌ لله جلَّ جَلالُه بجميعِ المحامدِ، كما قال الرازي - رحمه الله:"الذي يُحمَدُ ويُمدَح في الدنيا؛ إنما يكون كذلك لِوُجوهٍ أربعةٍ: إما لكونِه كامِلًا في ذاتِه وفي صِفاتِه مُنَزَّهًا عن جميعِ النقائصِ والآفات، وإن لم يكنْ منه إحسانٌ إليك، وإما لكونِه مُحْسِنًا إليك ومُنْعِمًا عليك، وإما لأنك تَرْجُو وُصُولَ إحْسانِه إليك في المستقبَل مِن الزمان، وإما لأجْلِ أنك تكونُ خائفًا مِن قَهرِه وقُدرتِه وكمالِ سَطوتِه؛ فهذه الحالاتُ هي الجِهاتُ الموجبةُ للتعظيم؛ فكأنه - سبحانه وتعالى - يقول: إنْ كنتم ممن تُعظِّمون الكمالَ الذاتيَّ؛ فاحمدوني فأني إلهُ العالمين، وهو المرادُ من قوله: (الْحَمْدُ لله) ، وإنْ كُنتم ممن تُعظِّمون الإحسانَ؛ فإني (رب العالمين) ، وإنْ كنتُم تُعظِّمون للطمعِ في المستقبل؛ فأنا (الرحمن الرحيم) ، وإن كنتم تُعظِّمون للخوفِ؛ فأنا (مالك يومِ الدين) ". [19]
5)والحمدُ زِينةُ الفَضائلِ وعَلامةُ الفِقهِ بِصِفاتِ الله - عز وجل -، ولله درُّ ابن عاشور حيث قال:"إنَّ الذي لَقَّنَ أهلَ القرآنِ ما فيه جِماعُ طَرائقِ الرُّشدِ بوجهٍ لا يُحِيطُ به غيرُ علامِ الغُيوب؛ لم يُهْمِلْ إرشادَهم إلى التحلِّي بزينةِ الفضائلِ وهي أن يقدروا النِّعمةَ حقَّ قَدرِها بشُكرِ المنعِم بها؛ فأراهم كيف يُتوِّجُون مُناجاتِهم بحمدِ واهبِ العقلِ ومانِحِ التوفيقِ؛ ولذلك كان افتِتاحُ كلِّ كلامٍ مُهِمٍّ بالتحمِيدِ سُنةَ الكتابِ المجيدِ". [20]
قال الرازي - رحمه الله:"اعلمْ أنَّ تربيتَه - تعالى -لخلقِه مُخالِفةٌ لتربيةِ غيرِه، وبيانُه مِن وجوهٍ:"
الأول: ما ذكرناه أنه - تعالى -يُربِّي عبيدَه لا لغرضِ نفسِه؛ بل لغرضِهم، وغيرُه يربُّون لغرضِ أنفسِهم؛ لا لغرضِ غيرِهم.
الثاني: أنَّ غيرَه إذا ربَّى فبقدرِ تلك التربيةِ يظهرُ النقصانُ في خزائنِه وفي مالِه وهو - تعالى -مُتعالٍ عن النقصانِ والضرر، كما - تعالى: (وإنْ مِن شيءٍ إلا عندَنا خَزائنُه وما نُنَزِّلُه إلا بِقَدَرٍ مَعلُوم) .
الثالث: أنَّ غيرَه من المحسنين إذا ألحَّ الفقيرُ عليه أبغضَه وحرَمَه ومنَعَه؛ والحقُّ - تعالى -بخلافِ ذلك، كما قال - عليه الصلاة والسلام: (إنَّ الله - تعالى -يحب الملحِّين في الدعاء) .
الرابع: أنَّ غيرَه من المحسنين ما لم يُطلَبْ منه الإحسانُ لم يُعطِ؛ أما الحقُّ - تعالى -فإنه يُعطي قبلَ السؤال؛ ألا ترى أنَّه ربَّاك حالَ ما كنتَ جنينًا في رَحِمِ الأمِّ وحالَ ما كنتَ جاهِلًا غيرَ عاقلٍ، لا تُحْسِن أن تسألَ منه ووقاك وأحسنَ إليك مع أنك ما سألتَه وما كان لك عقلٌ ولا هدايةٌ.
الخامس: أنَّ غيرَه مِن المحسنين ينقطعُ إحسانُه إما بسببِ الفقرِ أو الغَيبةِ أو الموت؛ والحقُّ - تعالى -لا يَنقطعُ إحسانُه البتة.
سادسًا: أنَّ غيرَه مِن المحسنين يختصُّ إحسانُه بقومٍ دون قومٍ، ولا يُمكِنُه التعميم؛ أما الحقُّ - تعالى -فقد وَصَلَ تَربيتَه وإحسانَه إلى الكُلِّ، كما قال: (ورَحْمَتي وَسِعَتْ كلَّ شيء) ؛ فثبت أنه - تعالى -ربُّ العالمين، ومُحْسِنٌ إلى الخلائقِ أجمعين؛ فلهذا قال - تعالى -في حقِّ نفسِه: (الحمد لله ربِّ العالمين) ". [21] "
قال سيد قطب - رحمه الله:"ومع هذا يَبلُغُ مِن فضلِ اللهِ - سبحانه - وفَيضِه على عَبدِه المؤمن، أنه إذا قال: الحمد لله كتبها له حسنة ترجح كل الموازين. في سنن ابن ماجه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حَدَّثهم أنَّ عبدًا من عباد الله قال: (يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك) ؛ فعضلت الملكين فلم يدريا كيف يكتبانها. فصعدا إلى الله فقالا: يا ربنا إن عبدا قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها. قال الله وهو أعلم بما قال عبده: وما الذي قال عبدي؟ قالا: يا رب، إنه قال: لك الحمد يا رب كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. فقال الله لهما: اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها". [22]