فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وقد يكون مصيبًا فيما عرفه من الحق فيما يتعلق بنفسه، ولم يكن مصيبًا في معرفة حكم الله في غيره؛ وذلك بأن يكون قد علم الحق في أصلٍ يختلف فيه بسماعٍ وخبر، أو بقياسٍ ونظر، أو بمعرفةٍ وبصر، ويظنُّ مع ذلك أن ذلك الغير التارك للإقرار بذلك الحق عاصٍ أو فاسق أو كافر. ولا يكون الأمر كذلك، لأنَّ ذلك الغير يكون مجتهدًا، قد استفرغ وسعهُ، ولا يقدر على معرفة الأول؛ لعدم المقتضى، ووجود المانع.
وأمور القلوب لها أسبابٌ كثيرة، ولا يعرف كل أحد حال غيره من إيذاءٍ له بقولٍ أو فعل، قد يحسب المؤذى- إذا كان مظلومًا لا ريب فيه- أن ذلك المؤذي محض باغ عليه، ويحسب أنَّه يدفع ظلمه بكل ممكن. ويكون مخطئًا في هذين الأصلين، إذ قد يكون المؤذي متأولًا مخطئا، وإن كان ظالمًا لا تأويل له فلا يحل دفع ظلمه بما فيه فتنة بين الأمة، وبما فيه شر أعظم من ظلمه. بل يؤمرُ المظلوم ها هنا بالصبر، فإنَّ ذلك في حقه محنة وفتنة. وإنَّما يقع المظلومُ في هذا لجزعه وضعف صبره، أو لقلة علمه وضعف رأيه. فإنَّهُ قد يحسب أنَّ القتل ونحوه من الفتن يدفع الظلم عنه، ولا يعلم أنَّه يضاعفُ الشر كما هو الواقع، وقد يكون جزعه يمنعه من الصبر.
والله سبحانه وصف الأئمة بالصبر واليقين، فقال: (( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ ) ) [السجدة:24] .
وقال: (( وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) ) [العصر:3] [4] ا. هـ.
وهذا الكلام من شيخ الإسلام- رحمه الله تعالى- وإن كان متوجهًا
إلى فتنة البغي والاختلاف بين المسلمين، لكننا نجدهُ يعمم ذلك على كل فتنة، حيث يقول فيما سبق: (فالفتنة: إمَّا من ترك الحق، وإما من ترك الصبر) .
أمَّا الإمام ابن القيم- رحمه الله تعالى- فيحيل أسباب الفتن إلى الشبهات أو الشهوات، وهما نفس ما ذكرهُ شيخ الإسلام من الأسباب. فالشبهةُ إنما تنشأ من ترك الحق والجهل به، بينما تنشأ الشهوةُ من ترك الصبر وضعفه.
يقول الإمام ابن القيم- رحمه الله تعالى-:
[ والفتنة نوعان: فتنة الشبهات. وهي أعظم الفتنتين، وفتنة الشهوات.
وقد يجتمعان للعبد. وقد ينفرد بإحداهما.
ففتنة الشبهات من ضعف البصيرة، وقلة العلم، ولا سيما إذا اقترن بذلك فساد القصد، وحصول الهوى؛ فهنالك الفتنة العظمى، والمصيبة الكبرى، فقل ما شئت في ضلال سيئ القصد، الحاكم عليه الهوى لا الهدى، مع ضعف بصيرته، وقلة علمه بما بعث الله به رسوله، فهو من الذين قال الله تعالى فيهم: (( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ ) ). [النجم:23]
وقد أخبر الله سبحانه أن اتباع الهوى يضل عن سبيل الله، فقال:
(( يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ) ) [صّ:26] .
وهذه الفتنة مآلها إلى الكفر والنفاق، وهي فتنة المنافقين، وفتنة أهل البدع، على حسب مراتب بدعهم. فجميعهم إنما ابتدعوا من فتنة الشبهات التي اشتبه عليهم فيها الحق بالباطل، والهدى بالضلال.
ولا ينجي من هذه الفتنة إلاَّ تجريد اتباع الرسول، وتحكيمه في دق الدين وجله، ظاهرة وباطنه، عقائده وأعماله، حقائقه وشرائعه، فيتلقى عنه حقائق الإيمان وشرائع الإسلام، وما يثبته لله من الصفات والأفعال، والأسماء، وما ينفيه عنه، كما يتلقى عنه وجوب الصلوات وأوقاتها وأعدادها، ومقادير نصب الزكاة ومستحقيها، ووجوب الوضوء والغسل من الجنابة، وصوم رمضان، فلا يجعله رسولًا في شيءٍ دون شيء من أمور الدين، بل هو رسولٌ في كل شيء تحتاج إليه الأمة في العلم والعمل، لا يتلقى إلاَّ عنه، ولا يؤخذ إلاَّ منه، فالهدى كله دائر على أقواله وأفعاله، وكل ما خرج عنها فهو ضلال.
فإذا عقد قلبه على ذلك وأعرض عما سواه، ووزنه بما جاءَ به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فإن وافقه قبله، لا لكون ذلك القائل قاله، بل لموافقته للرسالة، وإن خالفه رده، ولو قاله من قاله، فهذا الذي ينجيه من فتنة الشبهات، وإن فاته ذلك أصابه من فتنتها بحسب ما فاته منه.
وهذه الفتنة تنشأ تارةً من فهمٍ فاسد، وتارةً من نقلٍ كاذب، وتارةً من حقٍ ثابت خفي على الرجل فلم يظفر به، وتارةً من غرضٍ فاسد وهوى متبع، فهي من عمى في البصيرة، وفساد في الإرادة.
وأما النوع الثاني من الفتنة: ففتنة الشهوات.
وقد جمع سبحانه بين ذكر الفتنتين في قوله: (( كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ ) ) [التوبة:69] .
أي تمتعوا بنصيبهم من الدنيا وشهواتها، والخلاق هو النصيب المقدر،