فهرس الكتاب

الصفحة 9598 من 27345

ثم قال: (( وخضتم كالذي خاضوا ) )فهذا الخوض بالباطل، وهو الشبهات.

فأشار- سبحانه- في هذه الآية إلى ما يحصلُ به فسادَ القلوب والأديان، من الاستمتاع بالخلاف، والخوض بالباطل؛ لأنَّ فساد الدين: إمَّا أن يكون باعتقاد الباطل والتكلم به، أو بالعمل بخلاف العلم الصحيح.

فالأول: هو البدع وما والاها، والثاني: فسق الأعمال.

فالأول: فساد من جهة الشبهات، والثاني: من جهة الشهوات.

ولهذا كان السلف يقولون: [ احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنهُ هواه، وصاحب دنيا أعمته دنياه ] .

وكانوا يقولون: [ احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون ] .

وأصل كل فتنة إنَّما هو من تقديم الرأي على الشرع، والهوى على العقل.

فالأول: أصل فتنة الشبهة ، والثاني: أصل فتنة الشهوة.

ففتنة الشبهات تدفع باليقين، وفتنة الشهوات تدفع بالصبر، ولذلك جعل سبحانه إمامة الدين منوطةً بهذين الأمرين ، فقال: (( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ ) ) [السجدة:24] .

فدل على أنَّهُ بالصبر واليقين تنالُ الإمامةَ في الدين.

وجمع بينهما أيضًا في قوله: (( وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) ) [العصر:3] فتواصوا بالحق الذي يدفع الشبهات، وبالصبر الذي يكفُّ عن الشهوات، وجمع بينهما في قوله: (( وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ ) ) [صّ:45] .

فالأيدي: القوى والعزائم في ذات الله، والأبصار: البصائر في أمر الله. وعبارات السلف تدور على ذلك.

قال ابن عباس: [أولي القوة في طاعة الله، والمعرفة بالله] .

وقال الكلبي: [أولي القوة في العبادة، والبصر فيها] .

وقال مجاهد: [الأيدي: القوة في طاعة الله، والأبصار: البصر في الحق] .

وقال سعيد بن جبير: [الأيدي: القوة في العمل، والأبصار: بصرهم بما هم فيه من دينهم] .

وقد جاء في حديثٍ مرسل: (( إن الله يحبُ البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات ) ) [5] .

فبكمال العقل والصبر تدفع فتنة الشهوة، وبكمال البصيرة واليقين تدفع فتنة الشبهة- والله المستعان" [6] ا. هـ."

وبعد هذا الكلام النفيس من هذين الإمامين الجليلين، والذي لا مزيدَ عليه في ذكر أسباب الفتن، نجد التطابق التام في كلاميهما من ناحية المعنى والمضمون، بل في بعض الألفاظ أحيانًا.

ويمكن تلخيص هذه الأسباب فيما يلي:

1_ ترك الحق وعدم السعي للعلم به، أو عدم إصابته بسبب شبهة

أو تأول فاسد؛ ومن هنا تنشأ الفتنة بسبب الجهل أو الفهم الفاسد.

وهذا ما عبر عنه شيخ الإسلام- رحمه الله تعالى- بقوله: (ترك الحق) ، وعبر عنه الإمام ابن القيم- رحمه الله تعالى- بقوله: (فتنة الشبهات من ضعف البصيرة وقلة العلم) وقوله في موطن آخر من النقل السابق: (وهذه الفتنة تنشأ تارةً من فهمٍ فاسد، وتارةً من نقلٍ كاذب، وتارةً من حقٍ ثابت خفي على الرجل فلم يظفر به) ويقول أيضًا عن هذه

الفتنة: (وأصل كل فتنة إنما هو تقديم الرأي على الشرع، والهوى على العقل. فالأول: أصل فتنة الشبهة، والثاني: أصل فتنة الشهوة) .

2_ ترك الصبر: وهذا هو السبب الثاني من أسباب الفتن، ولكن أصل الفتنة هنا لم يأت من الجهل بالحق، أو تقديم الرأي على الشرع، أو الشبهة المشوشة على الحق، وإنَّما أصلُ الفتنة في هذا السبب هو عدمُ الصبر على الحق. فصاحب هذه الفتنة لا ينقصهُ العلم بالحق، بل يعلمه ولا يجهله، ولكنه تركه ضعفًا وشهوة وهو يعلم من نفسه أنَّه تاركٌ للحق، وهذا ما عبرَ عنه شيخ الإسلام بقوله: (فالمظلوم المحق الذي لا يقصرُ في علمه يؤمرُ بالصبر، فإذا لم يصبر فقد ترك المأمور) .

أما الإمام ابن القيم- رحمه الله تعالى- فعبر عن هذا السبب بقوله: (وأما النوع الثاني من الفتنة: ففتنة الشهوات) وقال عن هذه الفتنة أنَّها تدفع بالصبر، وقال عن أصل هذه الفتنة بأنَّه تقديم الهوى على العقل. ثم استدل كلا الإمامين على هذين الأصلين، وكيف يدفعان بقوله تعالى: (( وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) ) [العصر:3 ] أي تواصوا بالحق الذي يدفع الشبهات، وبالصبر الذي يكف عن الشهوات.

كما أنَّهما استدلا بقوله تعالى: (( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ ) ) [السجدة:24] .

فبالصبر تدفع الشهوة والهوى، وباليقين تدفعُ الشبهة والجهل بالحق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت