وتحدث عن أمر ثالث قال أن هذه الأمة مازال الدين هو المحرك الأول لها قال: الدين هو الذي يوجه مسيرتها، ويحرك مشاعرها، وهذا ما رأيناه حينما مُس قدس الأقداس عند المسلمين، وهو يتمثل في أمرين: القرآن الكريم والرسول (صلي الله عليه وسلم) الذي أنزل عليه القرآن.. وربما غضب الناس للرسول أكثر مما يغضبون للقرآن، لأن القرآن شيء تجريدي أزلي، إنما الرسول شخصية، الناس تغضب للمجسد والمحس أكثر من المعنوي، وخصوصا أن هذه الإساءة ليست كلمات، بل رسوما وصورا يعرفها الأمي والقاري وكل أحد، وهي صور مسيئة غاية الإساءة، مسفة غاية الإسفاف ولذلك حركت سواكن الأمة، فجرت مكنوناتها، أثارت الأمة من أعماقها، فغضبت الأمة لرسولها.. أثبتت أن الدين ليس شيئًا تافهًا، عارضا، ليس طارئا علي الحياة فهو جوهر الحياة، وسر الوجود، وربما لا يعرف ذلك الغربيون، لان الدين عندهم علي الهامش وربما ليس له وجود، أما الدين عندنا فهو مسرحياتنا، الدين عندنا أساس وجودنا الدين عندنا جوهر بقائنا، ومن هنا يجب أن نستفيد من هذه المناسبة لنعلم الأمة من جديد، ونؤديها ونقودها من جديد، قيادة حكيمة بصيرة، حتى تسير علي نور وعلي بصيرة، وعلي بينة من أمرها.
لا تكفي المسيرات
إننا لا ينبغي أن نكتفي بمسيرات الغضب التي غضبت من أجل النبي صلي اللَّه عليه وسلم ، فداه أبي وأمي، فقد دلت هذه المسيرات أن الأمة تحب رسولها، وحب رسول اللَّه جزء من الإيمان، كما قال عليه الصلاة والسلام: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده وماله والناس أجمعين ، حب اللَّه وحب رسول اللَّه صلي اللَّه عليه وسلم هما من أصول الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ولكن الحب وحده لا يكفي الله ورسوله معني هذا أن تتبع رسول اللَّه صلي اللَّه عليه وسلم ، أن تؤمن برسالته وبما جاء به، أن يكون هواك تبعا لما جاء به محمد صلي اللَّه عليه وسلم، أن تجعل حياتك ومسيرتك كلها مقيدة بتعاليم رسول الله، ألا تسير وحبلك علي غاريك، تفعل ما تشاء وتحكم ما تريد، ليس هذا من الإيمان في شيء فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليمًا، وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضي الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينًا..
وقال: ليس لك خيار أمام حكم الله ورسوله، لا تكن كالمنافقين الذين يقبلون من الأحكام ما وافق هواهم ويرفضون ما لا يوافق أهواءهم.. قيل لهم تعالوا إلي ما أنزل الله وإلي الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا يعرضون إعراضًا ولا يقبلون ما جاء به الله والرسول.. وليس هذا شأن المؤمنين، بل شأنهم هو إتباع كل ما جاء به الله ورسوله، لا يتخير، فهذا شأن بني إسرائيل مع كتابهم،وقد قرَّعهم الله أشد تقريع وأقساه في كتابه حينما قال: أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلي أشد العذاب وما اللَّه بغافل عما تعملون.
النفاق هو إعراضك عن بعض ما أنزل اللَّه
وقال إن قبول البعض ورفض بعض هو النفاق، بل يجب أن يقبل المسلم كل ما جاء به الله ورسوله، ولذلك قال الله تعالي لرسوله: وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك، لأنك إذا أعرضت عن بعض ما أنزل الله إليك فكأنك أعرضت عن الكل، لا يجوز أن تقبل بعضا من هذا الدين وتترك بعضا، القرآن به (114) سورة هل يجوز أن تقبل القرآن كله وتقول: لكني لا أقبل سورة قل هو الله أحد؟ لا يجوز: لابد أن تقبل القرآن كله هذا هو الدين، لابد أن تأخذ الإسلام كله، ولذلك إذا كنا نحب الله ورسوله فلابد أن نؤمن بكل ما جاء به القرآن، ولابد أن نعمل بكل ما جاء به القرآن، وبكل ما جاء به رسول اللَّه صلي اللَّه عليه وسلم مبينا للقرآن، فقد كانت مهمته أن يبين للناس ما نزل إليهم، كما ذكر الله تعالي في كتابه، علينا أن نتبع ما جاء به رسول اللَّه، وهو لم يجئ إلا بما فيه الخير، والنور والهداية والرحمة والمصلحة للناس جميعًا.. ولم يكن يريد لنفسه شيئًا إن أجري إلا علي رب العالمين، إنما كان يريد أن يهدي الناس للتي هي أقوم، أن يخرجهم من الظلمات إلي النور أن يهديهم لصراط ربهم العزيز الحميد، أن يصلح من أحوالهم، أن ينتقل بهم من الجهل إلي العلم، من الضلالة إلي الهدي، من الفوضى، إلي النظام، من الشر إلي الخير من الفساد إلي الصلاح، من الرذيلة إلي الفضيلة.. إلي كل خير كما قال تعالي: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء، وهدي ورحمة وبشري للمسلمين.
العمل أولًا