فهرس الكتاب

الصفحة 9677 من 27345

5-التأكيد على الرجوع إلى كتاب الله عز وجل وسنة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- في التماس سبل النجاة من الفتن والمهلكات ، ولفت الأنظار إليهما بعد أن ابتعد كثير من الناس عنهما ، والتأكيد أنه ما من خير إلا دلاّ عليه ، وما من شر إلا حذّرا منه . قال تعالى: ( مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) [الأنعام: 38] ، كما أن السنة النبوية ما تركت من فتنة ولا شر يأتي على هذه الأمة إلى قيام الساعة إلا وألمحت إليه ، وحذرت منه ، وحددت سبيل النجاة منه ؛ فلا عذر لنا في ترك ما

فيه حياتنا وسبيل نجاتنا: كتابِ الله عز وجل وسنةِ نبيه .

وشيء آخر يتعلق بهذا الأمر ألا وهو لفت الأنظار إلى ذلك الانقياد العظيم من سلفنا الصالح لهدي الكتاب والسنة في الفرار من الشرور والفتن وضرورة الاطلاع الدائم على تلك المواقف العملية الموفقة من سلفنا الصالح إزاء الفتن ، والزوابع ، وضرورة الاقتداء بهم في تلك المواقف النبيلة المهتدية بالكتاب والسنة ، وهذا ما سيرد ذكره في ثنايا هذا البحث إن شاء الله تعالى .

وقفة مع تفسير قوله تعالى: ( فَفِرُّوا إلَى اللَّهِ ) :

قال الله عز وجل في سورة الذاريات: ( فَفِرُّوا إلَى اللَّهِ إنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ) [الذاريات: 50] يقول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى عند تفسير هذه الآية: لما تقدم ما جرى من تكذيب الأمم لأنبيائهم وإهلاكهم ؛ لذلك قال الله تعالى لنبيه: قل لهم يا محمد ؛ أي قل لقومك: (فَفِرُّوا إلَى اللَّهِ إنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ) أي فروا من معاصيه إلى طاعته .

وقال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى معلقًا على الآية نفسها:

(فلما دعا العباد إلى النظر إلى آياته الموجبة لخشيته ، والإنابة إليه ، أمر بما هو المقصود من ذلك ، وهو الفرار إليه . أي: الفرار مما يكرهه الله ، ظاهرًا وباطنًا ؛ إلى ما يحبه ، ظاهرًا وباطنًا ، فرار من الجهل إلى العلم ، ومن الكفر إلى الإيمان ، ومن المعصية إلى الطاعة ، ومن الغفلة إلى الذكر . فمن استكمل هذه الأمور ؛ فقد استكمل الدين كله ، وزال عنه المرهوب ، وحصل له غاية المراد والمطلوب) .

ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في (منزلة الفرار) :

قال الله تعالى: (فَفِرُّوا إلَى اللَّهِ ) فحقيقة الفرار: الهرب من شيء إلى شيء . وهو نوعان:

فرار السعداء: الفرار إلى الله عز وجل . وفرار الأشقياء: الفرار منه لا إليه) [3] .

وأغلب أقوال المفسرين لا تخرج عن تلك المعاني السابقة في تفسير الآية ، فكلها ترجع إلى معنى واحد في أن المقصود هو: الفرار من المعصية إلى الطاعة ؛ أي: الفرار من أسباب غضب الله تعالى إلى أسباب رحمته . والمراد منه الفرار من غضب الله عز وجل وما يترتب عليه من العقوبة ، إلى رحمته وما يترتب عليها من المعافاة .

ومن الآيات التي تدخل في معنى الفرار واللجوء إلى الله عز وجل:

-قوله تعالى عن الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك: -

( حَتَّى إذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأََ مِنَ اللَّهِ إلاَّ إلَيْهِ ) [التوبة: 118] .

• وقوله تعالى عن خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام: (وَقَالَ إنِّي ذَاهِبٌ إلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ) [الصافات: 99] .

• وقوله تعالى: ( وَسَارِعُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) [آل عمران: 133] .

فاللجوء إليه سبحانه والذهاب والهجرة إليه ، والمسارعة إلى مغفرته وجناته: كلها من معاني الفرار والهجرة إليه سبحانه ؛ وذلك بتوحيده والسعي إلى مرضاته وجنته هربًا من سخطه وعقوبته ؛ وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: (وله في كل وقت هجرتان: هجرة إلى الله بالطلب والمحبة والعبودية والتوكل والإنابة والتسليم والتفويض والخوف والرجاء والإقبال عليه وصدق اللجأ والافتقار في كل نفس إليه . وهجرة إلى رسوله في حركاته وسكناته الظاهرة والباطنة بحيث تكون موافقة لشرعه الذي هو تفصيل محاب الله ومرضاته) [4] . 1هـ .

ومن الأحاديث الواردة: في معنى الفرار إلى الله عز وجل واللجوء إليه:

قوله: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك ، لا أحصي ثناءً عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك) [5] .

ومنها أيضًا: ما رواه الإمام البخاري ، رحمه الله تعالى ، في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه ، أنه قال: قال رسول الله: (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن) [6] .

وسيأتي شرح الحديث عند الكلام عن العزلة وضوابطها إن شاء الله تعالى .

الفتن وأسباب السقوط فيها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت