وقوع الفتن سنة ربانية لا تتبدل كما في قوله تعالى: ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) [العنكبوت: 2] . وقد كتبها الله عز وجل على عباده لحكم عظيمة: منها تميز المؤمنين من غيرهم ، ومنها تكفير السيئات ورفع الدرجات ، ومنها غير ذلك مما لا نعلمه . فعن حذيفة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا ؛ فأي قلب أُشربها نكتت فيه نكتة سوداء ، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين: أبيض مثل الصفا ، فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض ، والآخر مربادًا ، كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه) [7] . والحديث عن الفتن وأسبابها يتطلب إفراد كلمة (الفتن) بالتعريف والشرح ، وتوضيح الفرق بين مدلولاتها .
(فالفتن) : وهي بكسر الفاء وفتح التاء ، جمع فتنة ، قال الأزهري: جماع معنى الفتنة في كلام العرب الابتلاء والامتحان ، وأصلها مأخوذ من قولك: (فتنت الفضة والذهب) أذبتهما بالنار ليتميز الرديء من الجيد ، ومن هذا قول الله عز وجل: ( يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ) [الذاريات: 13] .
أي يحرقون بالنار ، وقال ابن الأنباري: فتنت فلانة فلانًا ، قال بعضهم: أمالته .. قال تعالى: (وَإن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ) [الإسراء: 73] أي يميلونك .. فتنت الرجل عن رأيه أي أزلته عما كان عليه .... والفتنة: الإثم في قوله تعالى:
( وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا ) [التوبة: 49] وأما قول النبي: (إني أرى الفتن خلال بيوتكم) [8] فإنه يكون القتل والحروب والاختلاف
الذي يكون بين فرق المسلمين إذا تحزبوا ، ويكون ما يبلون به من زينة الدنيا وشهوتها فيفتنون بذلك عن الآخرة والعمل لها . والفتنة الإضلال في قوله تعالى: -
( مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ ) [الصافات: 162] يقول ما أنتم بمضلين إلا من أضله الله .. والفتنة العذاب نحو تعذيب الكفار ضعفة المؤمنين في أول الإسلام ليصدوهم عن الإيمان، والفتنة الاختبار ، والفتنة المحنة ، والفتنة المال ، والفتنة الأولاد ، والفتنة الكفر، والفتنة اختلاف الناس بالآراء ، والفتنة الإحراق ، وقيل: الفتنة: الغلو في التأويل المظلم . يقال: فلان مفتون بطلب الدنيا أي قد غلا في طلبها . وجماع الفتنة في كلام العرب: الابتلاء والامتحان) [9] اهـ .
مما سبق بيانه يتحصل لدينا أن الفتنة تطلق ويراد منها معان كثيرة تدل على كل معنى منها ، ويعرف حسبما ورد بالسياق والقرائن ، ومن هذه المعاني:
1-الابتلاء والامتحان .
2-الميل عن الحق .
3-الإثم .
4-القتل والحرب .
5-الاختلاف والفرقة .
6-الإضلال .
7-الكفر .
8-العذاب ، وغير ذلك من المعاني المذمومة .
والآن وبعد أن تبين لنا معنى الفتنة وما يتفرع عنها من المعاني ، وبعد أن تبين لنا خطرها وذم الشرع لها ، وجب الحذر منها والهرب والفرار والفزع إلى الله عز وجل من شرورها . ومما يساعد على البعد عنها والنجاة منها إذا وقعت معرفة أسبابها والطرق المؤدية لها؛ لأن معرفة أسباب السقوط فيها تعين على النجاة منها بإذن الله عز وجل .
أسباب السقوط في الفتن:
الأسباب المؤدية إلى ملابسة الفتن والسقوط فيها كثيرة ؛ لكنها لا تخرج في مجموعها عن سببين هامين يرجع إليهما جميع الأسباب . وقد ذكر هذين السببين الإمامان الجليلان ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ، رحمهما الله تعالى، وعبرا عن ذلك بأسلوبين مختلفين لفظًا لكنهما متفقان في المعنى .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
(ولا تقع فتنة إلا من ترك ما أمر الله به ، فإنه سبحانه أمر بالحق وأمر بالصبر . فالفتنة إما مِنْ تَرْك الحق ، وإما من ترك الصبر) [10] .
ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: (الفتنة نوعان: فتنة الشبهات . وهي أعظم الفتنتين ، وفتنة الشهوات . وقد يجتمعان للعبدِ . وقد ينفردُ بإحداهما) .
وهما ما ذكره شيخ الإسلام نفسه من الأسباب . فالشبهة إنما تنشأ من ترك الحق والجهل به ، بينما تنشأ الشهوة من ترك الصبر أو ضعفه .
ففتنة الشبهات من ضعف البصيرة ، وقلة العلم ، ولا سيما إذا اقترن بذلك فسادُ القصد ، وحصول الهوى .
وهذه الفتنة تنشأ تارة من فَهْمٍ فاسدٍ ، وتارةً من نقلٍ كاذب ، وتارةً من حق ثابت خَفيَ على الرجل فلم يَظْفر به ، وتارةً من غرض فاسد وهوى مُتبع ، فهي من عمى في البصيرة ، وفسادٍ في الإرادة .
وقد جمع سبحانه بين ذكر الفتنتين في قوله: ( كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاقِكُمْ ) [التوبة: 69] .