أي تمتعوا بنصيبهم من الدنيا وشهواتها . والخلاق هو النصيب المقدر ، ثم قال: ( وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ) [التوبة: 69] فهذا الخوض بالباطل ، وهو الشبهات .
فأشار سبحانه في هذه الآية إلى ما يحصل به فساد القلوب والأديان ، من الاستمتاع بالخلاق ، والخوضِ بالباطل ؛ لأنّ فساد الدين إما أن يكون باعتقادِ الباطل والتكلم به ، أو بالعمل بخلاف العلم الصحيح .
فالأول: هو البدع وما والاها ، وهو فساد من جهة الشبهات .
والثاني: فسقُ الأعمال ، وهو فساد من جهة الشهوات .
ولهذا كان السلف يقولون: (احذروا من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه ، وصاحب دنيا أعمته دنياه) وكانوا يقولون: (احذروا فتنة العالم الفاجر ، والعابد الجاهل ؛ فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون) [11] .
ويمكن تلخيص هذه الأسباب فيما يلي:
1-ترك الحق وعدم السعي للعلم به أو عدم إصابته بسبب شبهة أو تأويل فاسد ؛ ومن هنا تنشأ الفتنة بسبب الجهل أو الفهم الفاسد .
وهذا ما عبر عنه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بقوله: (ترك الحق) ، وعبر عنه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى بقوله: (فتنة الشبهات من ضعف البصيرة وقلة العلم) .
2-ترك الصبر: وأصل الفتنة في هذا السبب هو عدم الصبر على الحق ؛ فصاحب هذه الفتنة لا ينقصه العلم بالحق بل يعلمه ولا يجهله ؛ ولكنه تركه ضعفًا وشهوة ، وهو يعلم من نفسه أنه تارك للحق .
(1) البخاري (6/632) الفتح ، مسلم (13/66) النووي .
(2) أبو داود في الصلاة (1427) والترمذي في الدعوات .
(3) مدارج السالكين: (1/469) .
(4) مقدمة طريق الهجرتين: ص 9 ط دار الحديث .
(5) رواه مسلم (486) في الصلاة ، باب ما يقال في الركوع والسجود .
(6) البخاري في كتاب الفتن (7088) .
(7) مسلم: كتاب الإيمان (144) .
(8) البخاري كتاب المناقب (3597) .
(9) تهذيب اللغة (14/297 299) (باختصار) .
(10) الاستقامة (1/39) .
(11) إغاثة اللهفان 1/165-167 (باختصار) .
مجلة البيان / العدد (117) التاريخ - جمادى الأولى / 1418هـ .