و قال - صلى الله عليه وسلم -: (( من خرج من الطاعة و فارق الجماعة فمات مات ميتة
جاهلية )) (1) .
... و قال - صلى الله عليه وسلم -: (( ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله ، و
مناصحة ولاة الأمر ، و لزوم الجماعة ، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم )) (2) .
قال ابن عبد البر القرطبي: (( قوله: لا يغل عليهن قلب مؤمن . معناه: لا يكون القلب عليهن و معهن غليلًا ، يعني: لا يقوى فيه مرض و لا نفاق إذا أخلص العمل لله و لزم الجماعة ، و ناصح أولي الأمر ، أما قوله: فإن دعوتهم تحيط من ورائهم . فمعناه عند أهل العلم: أن أهل الجماعة في مصر من أمصار المسلمين إذا مات إمامهم ، و لم يكن لهم إمام ، فأقام أهل ذلك المصر الذي هو حضرة الإمام(3) و موضعه إمامًا لأنفسهم ، اجتمعوا عليه و رضوه ؛ فإن كل من خلفهم و أمامهم من المسلمين في الآفاق يلزمهم الدخول في طاعة ذلك الإمام ، إذا لم يكن معلنًا بالفسق و الفساد ، معروفًا بذلك ، لأنها دعوة محيطة بهم ، يجب إجابتها ، و لا يسع أحدًا التخلف عنها ، لما في إقامة إمامين من اختلاف الكلمة ، و فساد ذات البين )) (4) .
فبذلك و جب على الأمة أن تتحد كلها استجابة لتعاليم ربها ، على هدي نبيها - صلى الله عليه وسلم - ، حتى ينصرها الله على أعدائها .
... و إن في و حدة المسلمين الأولين بقيادة الرسول الكريم أسوة و قدوة لمن بعدهم ، و لقد بارك الله و حدة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، و صحبه و أثنى عليها و بين قوتها و فضلها ، بقوله عز وجل: { و إن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره و بالمؤمنين و ألف بين قلوبهم لم أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم و لكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم } ] الأنفال: 62 و 63 [ .
... هذه هي الجماعة الأم ، جماعة المسلمين التي توافرت الأدلة و أقوال العلماء في الدعوة إلى لزومها و عدم الخروج عليها .
(1) ... الحديث: أخرجه مسلم ( 1848 ) في الإمارة ، باب: وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن ، و في كل حال ، و تحريم الخروج على الطاعة و مفارقة الجماعة ، من حديث أبي هريرة .
(2) ... صحيح:
روي من حديث زيد بن ثابت ، و جبير بن مطعم ، و عبد الله بن مسعود ، و أنس بن مالك ، و غيرهم - رضي الله عنهم - .
أولًا: حديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه -:
أخرجه أبو داود ( 3660 ) في العلم ، باب: فضل نشر العلم ، و الترمذي ( 2656 ) في العلم ، باب: ما جاء في الحث على تبليغ السماع ، و حسنه ، و أحمد 5 / 183 ، و الدارمي ( 229 ) ، و ابن حبان في"صحيحه" ( 67 ) ، و ابن أبي عاصم في"السنة" ( 94 و 1087 ) ، و الطبراني في"الكبير" ( 4890 و 4891 ) ، و ابن عبد البر في"جامع بيان العلم" ( 184 ) .من طرق عن شعبة بن الحجاج ، حدثني عمر بن سليمان بن عاصم ، عن عبد الرحمن بن أبان ، عن أبيه ، عنه .
قلت: و هذا إسناد صحيح ، رجاله كلهم ثقات .
قال ابن عبد البر في"التمهيد"21 / 275: ( هذا حديث ثابت ) .
ثانيًا: حديث جبير بن مطعم - رضي الله عنه -:
أخرجه ابن ماجه ( 3056 ) في المناسك ، باب: الخطبة يوم النحر ، و أحمد 4 / 80 و 82 ، و الدارمي ( 227 و 228 ) ، و أبو يعلى في"مسنده" ( 7413 ) ، و الطبراني في"الكبير" ( 1541 ) ، و ابن أبي حاتم في"الجرح و التعديل"2 / 10 ، و الحاكم 1 / 86 - 87 ، و صححه على شرطهما .
و حسنه المنذري في"الترغيب و الترهيب"1 / 62 .
ثالثًا: حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -:
أخرجه الترمذي ( 2657 و 2658 ) في العلم ، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع ، و الحميدي في"مسنده" ( 88 ) ، و ابن أبي حاتم في"الجرح و التعديل"2 / 10 ، و ابن أبي عاصم في"السنة" ( 1086 ) ، و الحاكم في"معرفة علوم الحديث"ص 322 ، و الخطيب في"الكفاية"ص 29 و 173 ، و البغوي في"شرح السنة"1 / 233 .
قال الترمذي: ( هذا حديث حسن صحيح ) .
و قال ابن حجر في"موافقة الخبر الخبر في تخريج أحاديث المختصر"1 / 364: ( هذا حديث صحيح ) .
رابعًا: حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -:
أخرجه الطبراني في"مسند الشاميين" ( 87 ) ، و ابن أبي حاتم في"الجرح و التعديل"2 / 11 ، و الحاكم في"المدخل"1 / 85 - 86 ، و ابن عبد البر في"جامع بيان العلم" ( 198 ) .
و قال ابن حجر في"موافقة الخبر الخبر في تخريج أحاديث المختصر"1 / 375: ( هذا حديث حسن ) .
(3) ... حضرة الإمام: أي المكان الذي يقيم فيه .
(4) ... التمهيد لابن عبد البر 21 / 277 - 278 .