... أما ما نجده في كلام بعض المعاصرين - و منهم مفكروا البوسنة - من الاستدلال بما تقدم على ضرورة العمل الجماعي الذي يريدون به تشكيل الأحزاب و الجماعات و التنظيمات التي كثرت في العصر الحاضر ، و تعددت أنماطها ، و تباينت مناهجها ، و اختلفت مسمياتها ، فلا نقر من يقول بوجوب الانضواء تحت أي منها مهما كانت حجته ، و غاية ما يمكن الذهاب إليه أن الانتساب إلى بعضها بغية إقامة واجب شرعي قد يكون مشروعًا و حسب .
... فإن قيل: إن إقامة الخلافة فرض ، و لا سبيل إليها إلا بعمل جماعي منظم
( حزبي ) سرًّا أو علنًا ، قلنا: إن ذلك غير مسلّم ، و لم يقل به أو يذهب إليه أحد ممن يعتد بقوله من العلماء السابقين ، و إن سلِّم كونه ضرورة في هذا الزمان ، فالضرورة تقدر بقدرها ، و لا تصير أصلًا بحال .
... و ما عرفناه من تأثر الرئيس علي عزت بيكوفيتش و رفاقه بدعوة ( الإخوان المسلمين ) في مصر ، و النسج على منوالهم في تشكيل تنظيم مناسب في البوسنة فقد كان ما يبرره - بحسب رأي - قبل حصول البوسنة على استقلالها المحدود ، و تحرر أبنائها إلى حد بعيد من قيود حكم الفرد و الحزب الشيوعي ، و لذلك دعوت و أدعو إلى توسيع قاعدة التعاون بين مسلمي البوسنة و المهتمين بشأنها من غير أبنائها ( مجاهدين و دعاة و إغاثيين ) ، و خلع الولاءات الضيقة ، إيثارًا للحق على الخلق ، و تقوية لشوكة المسلمين ، ففي الجماعة العزة و التمكين ، و في التحزب و التشرذم الضعف و الهوان ، و الله المستعان .
المقصد السادس - الجهاد في سبيل الله هو الوسيلة الوحيدة الكفيلة بإعادة العزة و التمكين للمسلمين .
... لما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة ، و أيده الله بنصره و بالمؤمنين ، أذن الله لهم في القتال .
قال الشوكاني: (( أول ما شرع الجهاد بعد الهجرة النبوية إلى المدينة
اتفاقًا )) (1) .
فكان أول ما نزل قوله تعالى: { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا و إن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله و لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع و بيع و صلوات و مساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا و لينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة و أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر و لله عاقبة الأمور } ] الحج: 39 و 40 و 41[ .
و قد بين الله في هذه الآيات أنه أذن للمؤمنين في القتال بسبب الظلم الواقع عليهم و إخراجهم من ديارهم و أموالهم بغير موجب إلا أنهم يدينون بدين الله .
قال ابن كثير في قوله تعالى: { و إن الله على نصرهم لقدير } : (( أي هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال و لكنه يريد من عباده أن يبذلوا جهدهم في طاعته ) ).
ثم بين سبحانه من حكمة الإذن في القتال أنه لولا أن الله يدفع أهل الباطل و الشرك بأهل الإصلاح و الخير لغلب أهل الفساد ، و بغوا على الصالحين و أهلكوهم و صار لهم السلطان في الأرض ، و لهدموا المعابد التى يذكر فيها اسم الله كثيرا , فكان من رحمة الله بعباده , و فضله عليهم أن أذن لأهل دينه الحق المصلحين في الأرض بقتال المفسدين فيها من الكافرين ,و البغاة الظالمين .
ثم بين الله أنه لا ينصر بمقتضى سنته إلا من ينصر دينه و يتقيه , و من إذا مكن لهم في الأرض و حكموها أطاعوا الله , فأقاموا الصلاة و آتوا الزكاة , و كانوا دعاةَ خير و معروف , و نهاةً عن كل منكر و فساد , و الله يعلم المفسد من المصلح و إليه مرد الأمور و نهايتها .
... ففي الجهاد في سبيل الله رد للاعتداء ، و دفع للظلم و الإيذاء قال تعالى: { و قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } ] البقرة: 190[ .
... و ذكر التمكين في الأرض بعد الإذن بالقتال ، إشارة إلى أن إقامة فريضة الجهاد في سبيل الله سبب للنصرة و التمكين فيها .
و في السنة الثانية من الهجرة فرض الله القتال بقوله تعالى: { كتب عليكم القتال و هو كره لكم و عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسى أن تحبوا شيئا و هو شر لكم و الله يعلم و أنتم لا تعلمون } ] البقرة: 216[ .
... و أصبح الجهاد فرضًا للدفاع عن الدعوة الإسلامية ، و مقاومة من يحاول فتنة أهلها ، أو الوقوف في طريقها ، قال تعالى: { و قاتلوهم حتى لا تكون فتنة و يكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين } ]البقرة: 193[ .
و فُرض أيضًا لمقاومة من ينكثون العهد و ينقضون المحالفات ، و لا يحترمون ما بينهم و بين المسلمين من معاهدات و يشوهون حقائق الإسلام ، و ينفرون الناس منه ، قال تعالى: { و إن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم و طعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون } ]التوبة: 12 [ .
(1) ... نيل الأوطار ، للشوكاني: 7 / 174 .