فهرس الكتاب

الصفحة 9729 من 27345

... و فرض أيضًا لتخليص المستضعفين من المؤمنين من الضيم ، و الذل ، و الهوان ، قال تعالى: { و ما لكم لا تقاتلون في سبيل الله و المستضعفين من الرجال و النساء و الولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها و اجعل لنا من لدنك و ليًا و اجعل لنا من لدنك نصيرًا } ] النساء: 75 [ .

... و لقد كانت حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - سلسة متصلة من الجهاد في سبيل الله ، فقد غزا من حين هجرته إلى حين و فاته سبعًا و عشرين غزوة ، و بعث من السرايا قريبًا من سبع و أربعين سرية (1) .

... و جائت نصوص السنة القولية متظاهرة متضافرة على عظم فضل المجاهد ، و ما أعده الله له من الثواب ، و حسن الجزاء ، نذكر طرفا ًمنها:

-عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رجلًا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أي الناس

أفضل ؟ فقال: (( مؤمن يجاهد بنفسه و ماله في سبيل الله ) ) (2) .

-و عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، قال: قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ما يعدل الجهاد في سبيل الله عز و جل ؟ قال: (( لا تستطيعوه ) )قال: فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثًا . كل ذلك يقول: (( لا تستطيعوه ) )و قال في الثالثة: (( مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله ، لا يفتر من صيام و لا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله تعالى ) ) (3) .

-عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( تضمن الله لمن خرج في سبيله ، لا يخرجه إلا جهادًا في سبيلي ، و إيمانًا بي ، و تصديقًا برسلي ، فهو ضامن أن أدخله الجنة ، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه ، نائلًا ما نال من أجر أو غنيمة ) ) (4) .

-و عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا و ما فيها ) ) (5) .

... وكما أن من أهم أسباب النصر و العزة و التمكين الجهاد في سبيل الله ، فإن من أهم أسباب الذل و الهوان ترك الجهاد في سبيل الله ، و الركون إلى الدنيا ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( إذا تبايعتم بالعينة ، و أخذتم أذناب البقر ، و رضيتم بالزرع ، و تركتم الجهاد ، سلط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ) ) (6)

(1) ... الغزوة: في اصطلاح المؤرخين ، و كتّاب السيرة تطلق على جيش قاده الرسول بنفسه ، سواء حصل فيه قتال أو لم يحصل . =

= ... أما السرية: فتطلق على طائفة مختارة من الجيش ، يرسلها النبي لإرهاب أعدائه ، أو لاستكشاف أحوالهم ، أو لغير ذلك ، قال ابن الأثير في"النهاية"2 / 363: ( هي طائفة من الجيش ، يبلغ أقصاها أربعمائة ، تبعث إلى العدو ،سموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر و خيارهم ) .

قال النووي في"شرح مسلم"12 / 195: ( اختلف أهل المغازي في عدد غزواته و سراياه ، فذكر ابن سعد ، و غيره عددهن مفصلات على ترتيبهن فبلغت سبعًا و عشرين غزوة ، و ستًا و خمسين سرية ، قالوا: قاتل في تسع من غزواته ، و هي: بدر ، و أحد ، و المريسيع ، و الخندق ، و قريظة ، و خيبر ، و الفتح و حنين ، و الطائف ) .

(2) ... الحديث: أخرجه البخاري ( 2786 ) في الجهاد ، باب: أفضل الناس مؤمن مجاهد بنفسه و ماله في سبيل الله و ( 2786 ) في الرقاق ، باب: العزلة راحة من خلاط السوء ، و مسلم ( 1888 ) في الإمارة ، باب: فضل الجهاد و الرباط ، و أبو داود ( 2485 ) في الجهاد ، باب: في ثواب الجهاد .

(3) ... الحديث: أخرجه البخاري ( 2787 ) في الجهاد ، باب: أفضل الناس مؤمن مجاهد بنفسه و ماله في سبيل الله مسلم ( 1878 ) في الإمارة ، باب: فضل الشهادة في سبيل الله تعالى ، و أحمد في"المسند"2 / 459 .

(4) ... الحديث: أخرجه البخاري ( 2787 ) في الجهاد ، باب: فضل الناس مؤمن مجاهد بنفسه و ماله في سبيل الله و ( 3123 ) في فرض الخمس ، باب: قول النبي ( أحلت لكم الغنائم ) ، و مسلم ( 1876 ) في الإمارة ، باب: فضل الجهاد و الخروج في سبيل الله ، و النسائي 6 / 16 في الجهاد ، باب: ما تكفل الله عز و جل لمن جاهد في سبيله .

(5) ... الحديث: أخرجه البخاري ( 2792 ) في الجهاد ، باب: الغدوة و الروحة في سبيل الله ، و ( 2796 ) باب: الحور العين و صفتهن ، و ( 6568 ) في الرقاق ، باب: صفة الجنة و النار ، و مسلم ( 1880 ) في الإمارة ، باب: فضل الغدوة و الروحة في سبيل الله .

(6) ... صحيح بمجموع طرقه:

روي هذا الحديث عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه -، و له عنه طرق:

الطريق الأول:

أخرجه أبو داود ( 3462 ) في البيوع ، باب: في النهي عن العينة ، و ابن عدي في"الكامل"5 / 360 ، و الدولابي في"الكنى"2 / 65 ، و أبو نعيم في"الحلية"5 / 208-209 ، و البيهقي في"السنن الكبرى"5 / 316 من طرق عن حيوة بن شريح ، عن إسحاق أبي عبد الرحمن ، أن عطاء الخراساني حدثه ، أن نافع حدثه ، عن ابن عمر - رضي الله عنه - به .

قال أبو نعيم: ( غريب من حديث عطاء ، عن نافع ، تفرد به حيوة ، عن إسحاق ) .

و قال المنذري في"مختصر السنن"5 / 102-103: ( في إسناده إسحاق بن أسيد أبو عبد الرحمن الخراساني ، نزيل مصر ، لا يحتج بحديثه ، و فيه أيضًا عطاء الخراساني ، و فيه مقال ) . =

= ... و قال ابن القيم في"تهذيب السنن"5 / 104 بعد أن حسن إسناده: ( عطاء الخراساني ثقة مشهور ، و حيوة كذلك ، و أما إسحاق أبو عبد الرحمن فشيخ ، روى عنه أئمة المصريين ، مثل حيوة ، و الليث ، و يحيى بن أيوب ، و غيرهم ) .

و ضعف ابن حجر في"تخريج أحاديث الهداية"2 / 151 إسناد الحديث من هذا الطريق .

و لهذا الطريق وجه آخر عن نافع ، فقد رواه فضالة بن حصين ، عن أيوب السختياني ، عن ، نافع ، عن ابن عمر - رضي الله عنه - . ذكره أبو نعيم في"الحلية"3 / 319 ، و رواه ابن شاهين في"الأفراد"1 / 1 - كما في"السلسلة الصحيحة"للألباني 1 / 16 - .

قال ابن شاهين: ( تفرد به فضالة ) .

قلت: و هو ضعيف ، قال البخاري و أبو حاتم الرازي: ( مضطرب الحديث ) .

انظر: لسان الميزان 6 / 14 .

الطريق الثاني:

أخرجه أحمد في"المسند"2 / 28 ، و في"الزهد"- كما في"الوهم و الإيهام"5 / 296 - ، و الطبراني في"الكبير"12 / 432 ( 13583 ) ، و أبو أمية الطرطوسي في"مسند ابن عمر" ( 22 ) ، و البيهقي في"الشعب" ( 4224 ) ، من طرق عن أبي بكر بن عياش ، عن الأعمش ، عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر - رضي الله عنه - به .

قال البيهقي: (( كذا قال:( عطاء ) يعني: ابن أبي رباح ، و روي من وجه آخر ضعيف عن عطاء ، و هذا الحديث يعرف من حديث حيوة بن شريح ، عن إسحاق أبي عبد الرحمن ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن

عمر )) .

و قال ابن القطان في"الوهم و الإيهام"5 / 295-296 بعد أن ذكر بعض طرقه: ( و للحديث طريق أحسن من هذا ؛ بل صحيح ، كل رجاله ثقات - فذكره ) .

قال ابن حجر في"تلخيص الحبير"3 / 19: ( و عندي أن إسناد الحديث الذي صححه ابن القطان معلول لأنه لا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحًا ؛ لأن الأعمش مدلس ، و لم يُنكر سماعه من عطاء ، و عطاء يحتمل أن يكون هو عطاء الخراساني ، فيكون فيه تدليس التسوية ، بإسقاط نافع بين عطاء ، و ابن عمر فرجع الحديث إلى الإسناد الأول ، و هو المشهور ) .

قلت: احتماله بأن عطاء هنا هو الخراساني بعيد لأنه جاء منسوبًا بابن أبي رباح .

و قال ابن حجر في"تخريج أحاديث الهداية"2 / 151 عن هذا الطريق: ( إنه أجود و أمثل ) . يعني من الطريق الأول . و قال في"بلوغ المرام" ( 3 / 41 - مع السبل ) :( رجاله ثقات ، و صححه ابن

القطان ).

و قال ابن القيم في"تهذيب السنن"5 / 104 عن هذا الطريق و الذي قبله: ( هذان إسنادان حسنان يشد أحدهما الآخر ) ، ثم تكلم عن هذا الطريق ، فقال: ( رجاله أئمة مشاهير ، و إنما يخاف أن لا يكون الأعمش سمعه من عطاء ، أو أن عطاء لم يسمعه من ابن عمر ) . =

= ... الطريق الثالث:

أخرجه أبو يعلى في"مسنده" ( 5659 ) ، من طريق ابن علية ؛ و الطبراني في"الكبير"12 / 433

( 13585 ) ، و البيهقي في"الشعب" ( 10871) من طريق عبد الوارث بن سعيد ؛ كلاهما عن ليث ، عن عبد الملك ، عن عطاء ، عن ابن عمر - رضي الله عنه - به .

قال البيهقي: ( رواه جرير بن عبد الحميد ، عن الليث ، عن عطاء ، عن ابن عمر ، و رواه جرير بن حازم ، عن ليث ، عن مجاهد ، قال: قال ابن عمر ) .

و رواية جرير بن عبد الحميد التي أشار إليها البيهقي أخرجها الروياني في"مسنده" ( 1422 ) ، و تابع جرير: أبو كدينة البجلي عند أبو نعيم في"الحلية"1 / 313-314 و 3 / 318-319 .

و قال أبو نعيم: ( هذا حديث غريب من حديث عطاء ، عن ابن عمر ) .

قلت: هذا الاختلاف على الليث ، و هو ابن سليم ، اضطراب منه ، فإنه ضعيف .

قال ابن القطان: ( و إنما لم نقل لهذا: صحيح ؛ لمكان ليث ؛ فإنه ابن أبي سليم ، و لم يكن بالحافظ ، و هو صدوق ضعيف ) .

الطريق الرابع:

أخرجه أحمد في"المسند"2 / 42 و 84 ، و الخطيب في"تاريخ بغداد"4 / 307 ، من طريقين عن أبي جناب يحيى بن أبي حية ، عن شهر بن حوشب ، عن ابن عمر - رضي الله عنه - به .

و ( ابن عمر ) صحف عند ابن كثير في"التفسير"2 / 344 ، إلى ( ابن عمرو ) ، قال ابن كثير: ( و هذا شاهد للذي قبله ) . قلت: يشير بـ ( الذي قبله ) إلى الطريق الأولى عندنا .

و قال ابن حجر في"الدراية في تخريج أحاديث الهداية"2 / 151: ( و من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد بإسناد ضعيف ) .

قلت: و لم أقف عليه في المسند لأحمد ، و لا لغيره عليه ، و أخشى أن يكون قوله ناتجًا عن تصحيف أيضًا .

و قال ابن القيم: بعد أن ذكر الطرق الثلاثة الأولى: ( و هذا يبين أن للحديث أصلًا ، و أنه محفوظ ) .

قلت: و للحديث شاهد من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - ، بدون ذكر الجهاد:

أخرجه ابن عدي في"الكامل"2 / 22 من طريق بشير بن زياد الخراساني ، حدثنا ابن جريج ، عن عطاء ، عن جابر - رضي الله عنه - به .

قال ابن عدي: ( بشير بن زياد الخراساني غير مشهور ، في حديثه بعض النكرة ) .

و قال الذهبي في"الميزان"1 / 328: ( منكر الحديث ، و لم يترك ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت