وعلى المسلمين كذلك أن يكافحوا في أنفسهم الشعور باليأس والإحباط ووهم العجز في مواجهة الحضارة الغربية وألا يظنوا، بسبب تخلف مجتمعاتهم، أن هذا التخلف مرجعه إلى الإسلام، إذ إن التَّفَصِّىَ من الإسلام هو السبب في ذلك التخلف لا الإسلام نفسه. كذلك عليهم أن يكافحوا بكل طاقاتهم ما هو منتشر بينهم من النزوع إلى تقليد الأوربيين حتى فيما يُظَنّ عادةً ألا خطر من ورائه، كالتشبه بهم في الملبس مثلا أو طريقة تناول الطعام [19] . فهذا التقليد يستتبع في العادة الفناء فيهم وامّحاء الشخصية الإسلامية، وهو ما حذر منه الرسول عليه السلام حين قال:"من تشبَّه بقوم فهو منهم" [20] . ومن هنا يدعو أسد المسلمين إلى التمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ فيها تتجسد الشخصية الإسلامية، وبإهمالها تذوب وتضيع. وليست سنة النبى تشريعا فحسب، بل هى النموذج الراقى للسلوك الشخصى والاجتماعى أيضا. أما نفور المثقفين المسلمين المتأوْربين من التمسك بها ظنا منهم أنها لا تنسجم مع المدنية الحديثة فهو عنوان على التهافت النفسى الذى يعترى المغلوبين فيجعلهم يظنون أن نظام حياة الغالبين هو النظام الأمثل. وكيف يكون ذلك وقد قال الله تعالى:"وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهُوا"؟ ولقد حاول أعداء الإسلام، وبخاصة من المستشرقين، أن يشككوا في السنة النبوية، غير أنهم لم يستطيعوا أن يقدموا برهانا على ما يقولون، وكانت غايتهم هى هدم هذا المصدر الثانى للتشريع والسلوك بعد القرآن لتخلو الساحة لعاداتهم وتقاليدهم وقوانينهم وأذواقهم وأسلوب معيشتهم، ولتضيع شخصية المسلم ويسهل خضوعه لهم [21] .
لقد كان رسول الله هو أعظم الرجال، ومن ثَمَّ كانت سنته هى النموذج الكامل للحياة البشرية النبيلة، وليس في الحرص على التمسك بسنته صلى الله عليه وسلم أىّ افتئات على فردية المسلم كما يزعم أعداء الإسلام ومن لف لفَّهم. إنها على العكس، تعوِّد المسلم النظام والانضباط واليقظة لكل ما يفعل، فلا يأتى شيئا أو يدعه إلا وهو واعٍ تماما لما يصنع! والحياة إذا خلت من الانضباط واليقظة أَسِنَتْ واضمحلَّت. والتمسك بسنة النبى عليه السلام من شأنه أن يطبع المجتمع المسلم بطابع واحد يقرِّب بين أفراده ويشد بعضهم إلى بعض بدلا من التشتت والتنافر تبعا لاختلاف الأمزجة وألوان السلوك والعادات والتقاليد من فرد إلى فرد، ومن جماعة إلى أخرى. ثم هو، من ناحية أخرى، يربطنا بالرسول ويجعلنا دائما على ذكْرٍ منه فيصير محورَ حياتنا ومثلَنا الأعلى، ويظلّ الإسلام بذلك حَيًّا في نفوسنا [22] .
وهنا يؤكد أسد أن ما نشهده من ضعف وتخلف بين المسلمين ليس سببه الإسلام، بل سببه المسلمون أنفسهم بسبب موات قلوبهم وكسلهم وحبهم للدنيا وانهزامهم الروحى والثقافى، أما الإسلام فهو أعظم منهج يمكن أن يتبعه البشر في كل مجالات الحياة. وقد ثبت هذا ثبوتا قاطعا، فما من شىء يحذِّر الإسلامُ منه ومن شروره إلا تبين أنه شرٌّ فعلًا، وما من شىء دعا إليه الإسلام وإلى اجتناء ما فيه من خير إلا اتضح أنه خيرٌ حقًّا. ولابد للمسلمين أن ينفضوا عن أنفسهم روح الهزيمة والاستسلام والتشاؤم أمام المدنية الغربية، التى لا تسامى أو تساوى الإسلام، والتى ينبغى أن نجعل معيار القبول لأى شىء منها أو رفضه هو الإسلام وشريعته وأخلاقه وقيمه262.
وبعد، فهذا كلام رائع كما قلت، لكن يبقى السؤال: كيف، وما السبيل إلى توهج الجذوات القابعة تحت الرماد وهبوب المسلمين من رقدتهم هذه التى طالت ولم تستطع دعوات المصلحين رغم تعاقبها أن تضع حدا لها؟ نرى هل هناك قانون يحكم نهوض الأمم ورقودها أو اضمحلالها وفناءها؟ إذن ما هو؟ وهل لو عرفناه نستطيع استخدامه بحيث نوقظ به الراقدين ونبعث الموتى؟ إن المسلمين جميعا يَشْكُون من وضعهم المخزى، والأغلبية الساحقة منهم تدعو بدعوة العودة إلى الإسلام، ومع ذلك فلا رجعة حقيقية إلى الدين حتى الآن ولا هبوب من رقدة العدم! فما السر يا ترى؟ وما السبيل إلى البعث ونفض رداء المذلة والضعف والتخاذل والاستكانة أمام عدوهم، الذى لا يرقب فيهم إِلاًّ ولا ذمة، ولا تأخذه بهم شفقة، ولا يعرف في تعامله معهم معنى الرحمة والإنسانية أو حتى الحياء؟ ذلك هو السؤال!
الهوامش:
[1] انظر محمد أسد/ منهاج الإسلام في الحكم/ ترجمة منصور محمد ماضى/ ط 6/ دار العلم للملايين/ 1983م/ 7، 11.
[2] المرجع السابق/ 15- 20.
[3] السابق/ 21- 32.
[4] السابق/ 32- 42.
[5] وضع أسد في آخر الكتاب مجموعة من الضوابط التى ينبغى أن تحكم تحديد هذه النصوص، ووكَل مهمة التحديد إلى طائفة من العلماء الذين يختارهم مجلس الشورى من المذاهب الفقهية المختلفة.
[6] السابق/ 45- 49.
[7] السابق/ 7.
[8] السابق/ 51- 52.
[9] السابق/ 62- 63، 85- 86.
[10] السابق/ 81- 85.
[11] النساء/ 59.