ومن هنا فإن أبرز سمات الفن الغربي لا تجد في مجال الفكر الإسلامي مجالًا لها، فالمسلم لا يعبد الجسد عبادة وثنية بحيث تقدم له القرابين، وكل ما يتصل بذلك من أساطير الحب والجمال عند الإغريق، وهي حافلة بالمباذل لا تجد في أفق المجتمع الإسلامي قبولًا، كذلك فالإسلام لا يقر الصراع بين الإله والإنسان أو بين القدر والإنسان على النحو الذي يقوم عليه الفن الغربي، ولا يؤمن المسلم بأن الإنسان يثبت ذاتع بمصارعة القدر والإله ولا بأن البطل الصالح يتحطم على يد القدر والآلهة، وكل هذه المعاني الماساوية لا مصدر لها في الغسلام ولا في الفكر الإسلامي، لأنها مستمدة من فكرة الخطيئة النصرانية، وكذلك فإن المسلم لا يؤمن بتعدد الآلهة ولا تجسيد الإله في صورة وثن حسي ملموس كالتماثيل العديدة في العقائد العربية في ذلك الخليط العجيب بين النصرانية والهلينية، كما ان المسلم لا يؤمن بعبادة مادة الطبيعة أو المحسوسات.
ومن هنا فإن مفهوم الفن في الإسلام محرر من كل هذه القيم التي يقوم عليها الفن العربي والتي تتعارض أساسًا مع الإيمان بالله الواحد، ومن ناحية أخرى فإن الإسلام لا يقر تجسيد البطولة في صورة مادية، ليس فقط حفاظًا على مفهوم التوحيد من خطر الاتصال بالتماثيل والأصنام التي كانت تعتبر عبادات ما قبل الإسلام، ولكنه ارتفاع بالنفس الإنسانية من أن تتمثل في مفهوم مادي بينما جاء الإسلام محررًا للبشرية من التجزئة بين الماديات والمعنويات.
الأمم لا تهزم:
هذه هي وجهة نظر الإسلام في الفن بصفة عامة ونحن نعرف أن الأمم لا تهزم إلا من انحراف فنونها وآدابها وخروجها على الضوابط والقيم، ولقد دمرت الفنون المحرمة حضارات اليونان والرومان والفرس والفراعنة، وستدمر الحضارة الغربية القائمة، فتلك سنة تبارك وتعالى التي لا تتخلف لكن المجتمعات التي تخرج عن الضوابط والحدود التي رسمها لها الدين الحق، وإن الفنون الغربية اليوم تسير في نفس الطريق الذي سار فيه الفن الروماني والوثني هادمًا لكل القيم متحللًا من كل الضوابط قائمًا على الإباحية والشذوذ والتشاؤم.
وقد ورثت الحضارة الغربية مفهوم الوثنية ومفهوم النصرانية المؤلهة للإنسان وورثت معها قيمها وأبرز هذه القيم نبذ"الأخلاقية"ومن ثم طغت فكرة الفن للفن على المفاهيم الأخلاقية السائدة، واشتدت الحرب عندما شرع حماة الفضائل في إدانة"الفن"على أنه لعب وحس شهواتي يحول بين الإنسان وبين الاستقامة، وفي مفهوم الإسلام أن الفن والأدب يقوم على الالتزام الأخلاقي ويتحرك في دائرة كاملة جامعة ولذلك لم يقم أي صراع في الفكر الإسلامي بين الفن والأخلاق أو بين وحدة الفن والأخلاق، أو انفصالهما لأن مفهوم الفكر الإسلامي قائم أساسًا على التكامل الجامع، فلا الفن يستقل عن الأخلاق، ولا علاقة الفن بالأخلاق، علاقة خضوع أو قسر أو إيقاف له عن انطلاقته. وليس في تحرك الفن الإسلامي في دائرة الأخلاق ما يحول بيسنه وبين تحقيق هدفه من إبراز حقيقة الشر والخير، بل هو في التحرر من إبراز الصورة في قالب الإغراء بها والحض عليها المجتمع ولا يحاول أن يبرز الوذيلة أو يهدم نظم الدين والعدالة والتوحيد.
والفن الإسلامي متحرر من المادية الخالصة، جامع بين الروح والفكر، بعيد عن مفهوم الوثنية الإباحية.
ولما كانت الفنون المعاصرة تقوم في أساسها على القصة فإن هذا يقتضينا الكشف عن أن هذا الفن عربي خالص مستحدث، يختلف اختلافًا كبيرًا عما عرف في الأدب العربي من فنون، وقد بدأت القصة في الأفق العربي والإسلامي مترجمة من الآداب الغربية تتغير فيها أسماء الأفراد والأماكن ويبقى مضمونها في الحوار والأحداث ولذلك فقد حملت مفاهيم غريبة عن النفس الإسلامية واستجابات مباينة لروح المفاهيم الإسلامية العربية، وخاصة في المسائل الكبرى كالخيانة الزوجية واضطراب الأسرة والموقف من اليتامى والفقراء وعلاقة الجنس بالمال، وعديد من هذه المسائل التي يقف منها المفهوم الإسلامي موقفًا مغايرًا تمامًا لتصرفات المجتمع الغربي القائم على الأنانية والحقد والإباحية.
القصة فن دخيل: