ولقد سارت القصة المكتوبة بالعربية في هذا الاتجاه فأكدت أنها فن دخيل لا يتفق والقيم العربية الإسلامية، وأن النفس العربية قد عبرت عن نفسها بأساليب أخرى ليست القصة واحدة منها، ولقد نقلت من آداب الأمم الغربية أسوأ آثارها ولم يرع المترجمون حالة البلاد ولا روح الثقافة، ولا الذوق الأدبي وكان لنقل هذه القصص أبعد الآثار في إفساد الأذواق والأخلاق لأجيال متعددة فقد طرح ركام مظلم فاسد من الحكايات الخرافية والإباحية والقصص البوليسية وكلها حديث عن بيوت الفساد وتجار الخمور، ذلك أن الكتاب المارون قد أغرقوا الأدب العربي بسيل من القصص يطفح بالإباحة والفساد أمثال نجيب الحداد وإلياس فياض وفرح أنطون وطانيوس عبده وإلياس أبو شبكة وخليل ببيدس وأمين الحداد، وقد ألقت هذه القصص إلى صغار المتعلمين وفتيات الأسر من وراء الجدران قدرًا كبيرًا من الرؤى الجنسية المسرفة وقدرًا من اللذات الخيالية التي تتمثل في صور الترف وملامح القصور والرياش والعطور والخمور مما كان له أثره البعيد في خلق ظاهرة جديدة في المجتمع الإسلامي في ظاهرة وباء الحلم الكاذب الذي يشقي ويبعد عن الواقع وكان لهذه الأكاذيب أثرها السيء في نفوس الشباب الغريز والفتيات مما أفسد نظرتهم إلى الحياة وحال بينهم وبين رؤية الواقع وانتقلت هذه الرؤى من سطور المطبوعات إلى مشاهد مرئية على الشاشات في كل بيت.
ولاشك الآن أن هدف القصة في الآداب الغربية هو إعطاء الشعوب جرعة من الخيال للتعويض عن الواقع، وأن القصة الخرافية الوثنية هي اللذة الكاذبة التي تعطي الوهم بدلًا من إعطاء الحقيقة. أما المسلم فإنه لا يحتاج إليها لأنه يعيش في جو من الوضوح والصراحة بين أوامر الدين ونواهية.
لقد عرف الأدب الإسلامي العربي"الصدق"القصصي فيما رؤى القرآن من قصص، وما وجه إليه الفكر من التحرك داخل الإطار الواقع لا يغرق في إدخال الشر والإباحة. ولذلك فقد كان الإسلام حريصًا على أن يعيش المسلم في واقعه وأن لا يتخذ وسائل الخداع الكاذبة المخدرة سبيلًا إلى إخراجه إلى عالم الأوهام.
نحن نقص عليك نبأهم بالحق:
ولقد قدم القرآن الكريم للمسلم القصة الصادقة بعيدًا عن الأسطورة والخيال الوثني والوهم. كذلك فقد حرص علماء المسلمين على تحرير سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم من الأساطير والخرافات. التي من شأنها أن تحجب الحقيقة عن الناس. وما زال مفهوم القصة الإسلامي في اللغة العربية وهو الإخبار بالواقع المجرد، وتتبع الآثار الحقيقية، ولا يفهم منه تأليف الحكايات أو تلفيق الوقائع أو اصطناع الأخبار المكذوبة التي تصدر عن الكبت والظلم، وإذا كانت كلمة"القصة"في اللغة العربية تعني الواقع الملموس فإن معناها في اللغات الغربية مستمد من مدلول الخرافة التي عرفها العرب قبل الإسلام بقولهم أسطورة وأساطير، وقد أطلقت في القرآن الكريم على الخرافات التي ينكرها الإسلام في مقابل ما أمنوا به من أحسن القصص {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثًا يفترى} يوسف: 111، ولقد كشف كثير من الباحثين عن التعارض الواضح بين"الفطرة"التي هي سمة الأدب الإسلامي العربي وبين"القصة"التي عرفها الأدب الغربي وجرى تقليدها في الأدب العربي الحديث.
ومن هنا فإن النقد الأدبي الإسلامي المصر يرفض أمثال قصص شهرزاد وألف ليلة وليلة وغيرها من الأساطير لأنها لا تمثل مفهوم الإسلام الصحيح، وغاية ما يقال في هذا أن الإسلام عزل المجتمع الإسلامي عن الإباحيات والخياليات المغرقة والخرافات وطبع الفكر الإسلامي والمجتمع بطابع التوحيد والفطرة والواقعية بعيدًا عن المغالاة أو الإسراف.
أما المسرح فإنه دخيل وافد وليس فنًا أصيلًا لا في الأدب العربي ولا في المجتمع الغربي ولا في المجتمع الغربي الإسلامي. وقد صدق زكي طليمات حين قال:"أنه بالرغم من انقضاء قرن وربع قرن ما برح يبدو لرجل الشارع وكأنه بضاعة مستوردة من الخارج أو هو زي من أزياء التعبير لا عهد به. وبكنه يتعطاه من باب التظاهر بالإقبال على كل جديد، ولعل أبرز دوافع الاستجابة هي عامل التسلية وفضول المعرفة والتجربة، إلا أنها دوافع يجمع بينها مظهر واحد تلحظه العين وهو"قزقزة"ثمار الفول السوداني واللب."